باص حيفا بيروت يعود بعد 71 عامًا من النكبة

نظّمت جمعية الثقافة العربية يوم أمس نشاطاً خاصاً في الذكرى الحادية والسبعين للنكبة تحت عنوان “جولات باص حيفا بيروت”، حيث جابت حافلة خاصّة كُتب عليها “باص حيفا بيروت” باللغتين العربية والإنكليزيّة، شوارع مدينة حيفا في خمس محطات مختلفة.

بدأت الجولات في أوقات مختلفة من يوم الأربعاء 15/5/2019 وانطلقت من أماكن متعددة، وكل واحدة تطرقت إلى محور مختلف يتعلق بذاكرة المدينة العربية، ومرت من مناطق وشوارع ومعالم مختلفة أيضاً، في خطوة رمزية استحضرت فيها جمعية الثقافة العربية حافلة حيفا بيروت التي كانت تعمل قبل النكبة، حيث كانت تنطلق بشكل يومي حافلات من حيفا إلى بيروت منذ سنوات العشرينات.

انطلقت الجولة الأولى الساعة العاشرة صباحًا من جامعة حيفا، مع الكاتب إياد برغوثي في رحلة تحت عنوان “قصص من الحياة الاجتماعيّة في حيفا قبل النكبة”. أما الجولة الثانية فانطلقت من “معهد التخنيون” ومرّت من حي الألمانية وحي عباس، وتحدثت فيها الكاتبة روضة غنايم حول “كيف تشكلت أحياء حيفا العربية؟”.

في الجولة الثالثة، التي انطلقت من مقهى “الراي”، تجوّل المشاركون مع الناشطة منى عمري في شارع البرج ووادي الصليب، حيث كان الحديث عن قصص اجتماعية قبل النكبة بعنوان “مطحنة قهوة: قصة عائلة كنفاني في وادي الصليب”. وعند الخامسة مساء، بدأت الجولة الرابعة مشوارها من مقهى “إليكا” ومرّت من ساحة الحناطير، وجامع الجرينة وكنيسة السيدة، وتحدث فيها المرشد بلال درباس عن “مسار حيفاوي بمنظور الاستيطان الاستعماري”. في حين تحركت الجولة الخامسة والأخيرة من “نزل الياخور” عند السادسة والنصف مساءً، وعبرت من شارع يافا ووادي الصليب، وتناول خلالها المستشار عروة سويطات “سياسات التخطيط في المركز التاريخي الحيفاوي”.

وشارك في كل جولة 20 راكباً مختلفاً من حيفا ومنهم من قدم خصيصًا من خارج حيفا للمشاركة في الجولات، جلّهم من الجيل الشبابي. كما لاقى النشاط تفاعلاً كبيرًا على وسائل التواصل الاجتماعي وجرى اعتماد هاشتاغ #باص_حيفا_بيروت. كما أبدى العشرات رغبتهم بالمزيد من الجولات في باص حيفا بيروت مستقبلاً.

يُذكر أن خط الحافلات بين بيروت وحيفا أنشأته “شركة نيرن للنقل والبريد” Nairn company في دمشق عام 1923، وأطلقت خدمات حافلات بين بيروت وحيفا ودمشق وبغداد، وكانت لها سفرات أيضاً إلى الموصل والقدس والبحر الميت. أسّس الشركة ضابطان نيوزلنديان هما نورمان وجيرالد نيرن استقرا في المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وتوسعت الشركة في الأربعينات وأصبحت تصل إلى عمّان، وبسبب النكبة توقفت الشركة عن العمل وانقطع التواصل مع العالم العربي.

يوم دراسي حول النكبة والتهجير

د. محمود يزبك: حيفا والناصرة نموذجين متناقضين

أشار الدكتور يزبك في كلمته إلى دور الناصرة كمركز ديني مهم لدى الغرب المسيحي في بقاء المدينة وأهلها وتوصية بن غريون بعدم المسّ بها وبكنائسها، وبقاء هذه المدينة أدى إلى بقاء القرى المحيطة بأغلبيتها بل أكثر من ذلك حافظت هذه المدينة على بقاء العديد من النازحين عن قراهم في الوطن وذلك باستيعاب الأديرة لآلاف المشرّدين من منازلهم من معلول والمجيدل وصفورية وعيلوط التي عاد أهلها إليها بفضل بقاء بيوتها نتيجة لنزوح لاجئين من قرى أخرى إليها.

وأشاد د. محمود يزبك بموقف رئيس بلدية الناصرة آنذاك يوسف علي الفاهوم في المحافظة على الناصرة وأهلها. أما عن حيفا التي نزح عنها حوالي 10% من اللاجئين من كل فلسطين، وهذه نسبة كبيرة، وان إخراج العرب من هذه المدينة كان مخططا ومدروسا وعلينا النظر بايجابية لما قام به رشيد الحاج إبراهيم احد القياديين في حيفا آنذاك من تسجيل مذكرات جاءت بالحقيقة كما عاشها ورآها هذا الرّجل، كذلك لا بدّ من الإشادة بما جمعه المؤرخ تمير غورن في كتابه( حيفا 1948) من وثائق عربية وعبرية.

كما أشار د. يزبك إلى القيادات العربية في مدينة حيفا بأنها بأغلبيتها غريبة عن المدينة، أنها مؤلفة من أصحاب رؤوس أموال جاءوا ليستثمروا أموالهم أو أنهم نجحوا في المدينة ذاتها اقتصاديًا، مثل هذه التركيبة الاجتماعية يسهل عليها ترك المدينة. التركيبة القيادية من الصف الأول غادرت المدينة أولا وهذا أدى إلى هبوط الروح المعنوية. والضغط العسكري في خطة الكماشة التي استعملت في حيفا أدت إلى تدافع الناس بالآلاف بل عشرات الآلاف باتجاه البحر مما أدى إلى غرق الكثيرين.

في محاضرة د. صالح عبد الجواد – جامعة بير زيت، أشار إلى ما كتبه المؤرخون اليهود الجدد مشيدًا بما يقومون به من جهد مقابل الركود في البحث التاريخي العربي، لقد كتب اليهود من المؤرخون الصهاينة المتطرفين حتى اللبراليين والمؤرخين الجدد أبحاثا عديدة لا نتفق معها كاملة لكنها قراءة وتسجيل للتاريخ، هذا ما لم يقم به العرب لا يوجد أي كتاب أو بحث جدي حتى الآن عما حصل سنة 1948، هنالك مقالات أو دراسات محدودة، وهذا أمر مؤسف لأننا إن جهلنا التاريخ لا ننطلق إلى النجاح إنما نبقى متنقلين من فشل إلى فشل. وتعلّم التاريخ هو الرافعة نحو تحقيق الأمنيات والآمال. وتحدث د. عبد الجواد مطولا عن التطهير العرقي وهو ليس بالضرورة جسديًا بل قد يكون ثقافيًا أو تطهير المكان وهذا ما حدث هنا بخلاف ما حدث في التاريخ المعاصر في أماكن أخرى من هذا العالم.

وأشار المحاضر إلى الجهل والتفكك اللذين كانا مسيطرين على شعبنا، فمن جهة كنا نجهل ما يحصل في الطرف الآخر ولا يهمنا أن نعرف أن مؤسسات الدولة العبرية قائمة ويبقى تحديد ارض لهذه المؤسسات، ومن جهة أخرى لم تكن لدينا قيادة تمسك بزمام الأمور في كل مكان، كانت القيادات المحلية تعيش بمعزل عن القيادة العليا وحتى بمعزل عن بعضها البعض. وقال د. عبد الجواد إن شعبنا تعلم الدرس ليس في حرب 1967 فقط بل قبل ذلك في العام 1948 حيث بقيت قرى كثيرة صامدة وفي 1956 حين ارتكبت مجزرة كفر قاسم حيث لم يخرج من بيته فلسطيني واحد رغم ضخامة هذه المجزرة التي تفوق العديد من المجازر التي ارتكبت سنة 1948.

وكانت مداخلة المرشد فوزي ناصر حول أماكن وأسباب النزوح فان 65% من القرى المهجّرة موجودة في المناطق التي خصصت لقيام دولة اليهود حسب قرار التقسيم لسنة 1947، وهذا يدل على أن التهجير كان مخططًا ومرسومًا ومقررًا مسبقًا، إذ كان التوقع الصهيوني أن تقوم دولة يهودية حسب خريطة التقسيم. وهنا لا بدً من الإشارة إلى جملة قالها بن غريون في تموز48 ” إننا ننفذ قرار هيئة الأمم”. أما من حيث الأسباب فإننا وحسب الوثائق العسكرية الصهيونية نفسها نستطيع تسجيل النسب التالية:

تقريبًا 21% من القرى كان سبب نزوحها الخوف أو سقوط قرى مجاورة.

49% نتيجة لعملية عسكرية

12% الطرد عمدا بعد الاحتلال

4% نتيجة للإشاعات والدعايات الصهيونية

1% هجرة بمحض الإرادة (4 قرى فقط)

13% ( لم يذكر سبب) – كتب في الأرشيفات – ( غير معروف)!

من هذه القائمة نستنتج انه على الأقل 86% من القرى المهجرة كان السبب قتال أو مجزرة أو عنف أو تخويف، فكيف يمكن القول أن العرب نزحوا عن بيوتهم أو هجروا قراهم؟!.

جمعية الثقافة العربية تصدر كتاب “وتشهد الجذور” باللغة الإنجليزية

أصدرت جمعية الثقافة العربيّة، في 15.08.2010، كتاب The Witnessing Roots”” باللغة الإنجليزيّة، بعد أن صدر باللغة العربيّة في العام 2008 تحت عنوان “وتشهد الجذور”، والذي يضمّ بين طيّاته خرائط ومواد تاريخيّة وصورًا تشرح جغرافية وتاريخ وحضارة فلسطين التاريخية، ويعتبر المرجع الأول باللّغة الإنجليزيّة الذي يتناول هذه الجوانب مجتمعة. أعدّ الكتاب الأستاذ فوزي ناصر، وراجعه أكاديميًا د.جوني منصور، وراجعه ودقّقه د.الياس عطا الله، وشارك في إعداده الأستاذ فريد حاج يحيى، وأشرفت عليه د.روضة عطا الله مديرة جمعيّة الثّقافة العربيّة، وترجمه للّغة الإنجليزيّة د.حنا جبران.

وكتبت د.روضة عطا الله في مقدّمة الكتاب حول هدفه العمليّ: “أصدرنا هذا الكتاب حتى نشرح للمقيمين وللقادمين من أنحاء العالم، باللغتين العربيّة والإنجليزيّة، عن معالم ما كان وما هو قائم، موضحا بخرائط تبين كيفية الوصول إلى كل مكان، وخصوصًا للأماكن التاريخيّة، فهذا الكتاب، وبالإضافة إلى غايته الوطنيّة الساميّة، مرشد لكل من يرغب في التجول في أنحاء الوطن، عون للسائح في تجواله، ومرافق لطلبتنا في رحلاتهم المدرسية والأسرية، لقد آن لنا أن نحمل دليلا وخارطة تربط الحاضر بالماضي وتيسر الوصول إلى كل قرانا ومدننا العربية، لنوثق عرى علاقاتنا ونحيي اقتصادنا، لتدب الحياة في المكان، الذي كابر وصمد ونما بعكس ما خُطط له”.

 يقع كتاب “وتشهد الجذور” باللغة الإنجليزية في 491 صفحة من الورق الصقيل، توثّق تاريخ فلسطين، وتشمل 86 خريطة، بدءًا بمنابع الأردنّ في الشمال، وانتهاءً بمنطقة البحر الأحمر. في الكتاب 729 مادّة تحكي بإيجاز عن القرى والمدن، القائمة والمهجّرة، وترصد الوطن جبلا وواديا وسهلا، وتتعقّب حجارته ومقاماته ومعالمه، تجمّلها 350 صورة تنطق بحياة الناس، وتعرض معالم فلسطين التاريخيّة ومواطن حضارتها ودفق حياتها، ويزيدها ألقًا إبداعات بناتها وأبنائها من الفنانين بما التقطته عدسات كاميراتهم المرهفة، وخطّته ريشاتهم رسوماتٍ ولوحاتٍ رائعة.

يوم دراسي حول التاريخ الشفوي

جُعلَ برنامج اليوم الدراسي في خمس جلساتٍ تحدّث خلالها باحثون أكاديميّون اخصائيّون هُم: فوزي ناصر، د. مصطفى كبها، سامي أبو شحادة، د. جوني منصور.

استقطبَ اليومُ الدّراسيُّ مجموعةً كبيرةً من مرشدي الرّحلاتِ، معلّمي موضوع التاريخ و معرفة البلاد في مختلِفِ المدارس والمؤسّسات التّعليميّة، والمهتمّينَ من أعضاء الجمعيّةِ وجمهورِ النّاس، وقد ساهموا بدورهم في إغناء الجلسات حوارًا ونقاشًا.

في افتتاحيّة اليوم الدّراسيّ تحدّثت مديرة الجمعيّة د. روضة عطالله مرحّبةً بالحضورِ، مشيرةً إلى أهميّةِ مشاركتهم وتواصلهم مع جمعيّةِ الثّقافةِ العربيّةِ مشروعًا ثقافيًّا يسعى لبلورةِ معالم حالةٍ ثقافيّةٍ عربيّةٍ ناضجةٍ، نشطةٍ وحيويّةٍ وتعميم تلك الحالة.

أطلعت د. عطالله الحضورَ على أهداف الجمعيّةِ، رؤيتها ورؤاها، واستعرضت معهم بالوثائق والصّورِ مجموعةً كبيرةً من المشاريع والنّشاطاتِ الثّقافيّة التّربويّة والأكاديميّةِ الّتي أقامتها ورعتها الجمعيّةُ من أيّام دراسيّة، مؤتمرات، ورش عمل، مخيّمات صيفيّة، رحلات تعليميّة، محاضرات أدبيّة وسياسيّة وغير ذلك.

تلاها في الحديثِ د. مصطفى كبها، متناولاً الرّواية الشّفويّة: آليات وإشكاليّات جمعها وتوثيقها.

أشار د. كبها إلى أهميّة اعتماد الرّواية الشّفويّة مصدرًا أساسًا في عمليّةِ تدوين سير الأمم والشّعوبِ والمجتمعات وأحداثها التّاريخيّة، خصوصًا تلك الّتي تعيشُ حالاتٍ اضطّهاديّةً لحقوقها الجماعيّة والوطنيّة، لأنّ روايتها المدوّنة في غالبيّة الأحيان تكون مغيّبةً مهمّشةً هشّةً وغير قادرة على مواجهة رواية المضطّهد،ِ صاحب القوّة المتسلّط، ممّا يجعل الرّواية الشّفويّة بديلاً مهمًّا ومركزيًّا.

وعن محاولاتِ المقارنة ما بين الرّواية الاسرائيليّةِ من جهةٍ والرّواية الفلسطينيّة من جهةٍ أخرى عن الأرض والإنسان والتّاريخ والصّراع، قال كبها: ” من الظّلم المقارنة ما بين الرّوايتين المتنافستين كروايتين تبلوران مطالب شعب، فهما قد نشأتا في ظروفٍ مختلفةٍ تمامًا، رواية رعتها دولةٌ، مؤسّساتٌ أكاديميّةٌ ومعاهد أبحاثٍ وجامعات، وروايةٌ أخرى تعرّضت لنكباتٍ وهزّات ولم تصل إلى مرحلةٍ سرديّةٍ لسيرةِ شعبٍ وقضيّةٍ وطنيّةٍ وقوميّةٍ “. معتبرًا أيّ محاولةٍ لعقد مقارنةٍ ما بين الرّوايتينِ أمرًا مجحفًا بتفاصيله كلّها.

وتحدّث كبها عن كيفيّة تبدّل الأدوار ما بين الرّوايتين المتنافستين سنة 1948، فالرّواية الأولى تحوّلت من رواية شتات إلى رواية شعب ووطن، والرّواية الثّانية تحوّلت من رواية شعب تسرد على أرض الوطن إلى رواية شتات، منطلقًا من تلك النّقطةِ لبيان أهم المشكلات والتّحديّات الّتي يواجهها المؤرّخ الباحث في تدوينِ تاريخِ شعبٍ مشرذمٍ مشتّتٍ مستهدفٍ في ظلّ غياب المؤسّسةِ الرّاعيةِ وعدم استقرار مجتمعاتِ ذلك الشّعب، والمعضلات الّتي تواجه عمليّة تدوين الرّواية الشّفويّة.

ومن أبرز تلك المشكلات والتّحدّيات:

– الافتقاد إلى منهجيّةِ جمعٍ، تدوينٍ ونقدٍ أكاديميّةٍ واضحةٍ ومحدّدة.

– صحوة المؤرّخ العربي الفلسطيني المتأخّرة على أهميّة الرّواية الشّفويّة.

– الخلطُ ما بين الرّواية التّاريخيّة والرّواية الأدبيّةِ، واعتماد الرّواية الأدبيّة من قبل بعض المؤرّخينَ مصدرًا موثوقًا لكتابة التّاريخ.

– شُحّ مصادر المعلومات المدوّنةِ المتّصفة بالدّقّة والمصداقيّة والمعتمدة على منهجيّة تدوينيّة أكاديميّة نقديّة.

– ضياع الإرشيف الفلسطيني وتبعثره لنقله المستمرّ من موضعٍ إلى آخر وعدم معرفة مكانه بالتّحديد حتّى اللّحظة.

– عشوائيّة الكتابة وفوضى التّأليفِ من قبل أناسٍ غير مختّصينَ يكتبون بفطرتهم ودونما التزامٍ بقواعد وأسس تدوينيّة ونقديّة للتّاريخ.

– الاعتماد في كتابة الرّواية الفلسطينيّة على ما هو موجود في المصادر المكتوبة واجترار ما فيها وعدم اللّجوء إلى المعاينة.

– تناقص أعداد الرّواة المستمرّ وبشكلٍ كبيرٍ مع تقدّم الزّمن.

– الحساسيّات في التّراث والتّاريخ. ( عدم مقدرة المؤرخ على ذكر أسماء سماسرة أرض وعملاء مثلاً).

– الانبهار بما يتوفّر في الرّواية التّاريخيّة الصّهيونيّة إلى درجة التّقليد الأعمى.

– الأسطرة في تدوين التّاريخ والاعتماد على مفهوم البطل والبطولة، ممّا يقلل من مصداقيّة عمليّة التّأريخ.

كما وتطرّق كبها في حديثهِ إلى معايير وآليّات تدوين الرّواية الشّفويّة، فتحدّث عن مواصفات النّاقل الجامع ومؤهّلاته، مشيرًا إلى وجوب اعتماد الدّقّة والإتقان نهجًا في محاولتنا صياغة ذاكرةٍ جمعيّةٍ وتراثٍ جمعيٍّ لشعب. وتحدّث عن أهميّة اتّخاذ ” التّصليبِ ” آلية عملٍ تجعل من الرّوايةِ التّاريخيّة المدوّنةِ أكثر مصداقيّةً وتماسكًا ودقَّةً، لذا وجب على الباحث أن يقارن ما بين الرّواية الشّفويّة الّتي يحصل عليها من أيّ مصدرٍ كان مع رواياتٍ شفويّةٍ أخرى ومع ما هو متوفّرٌ في الإرشيفات ومصادر المعلومات والوثائق المختلفة، ليقف على مواطن الصّواب والخطأ في الرّواية فيدعّمها ويصلّبها بمعلوماتٍ يستقيها من غير مصدر.

ومن آليّات العمل أيضًا ” غربلة الرّوايات الشّفويّة ” وتصنيفها وفقًا لمعايير محدّدة تتوفّر لدى المؤرّخ نفسه، والابتعاد عن العشوائيّة في انتقاءِ الرّوايات عند الشّروع في عمليّة التّدوين.

وختم كبها حديثه داعيًا الجمهور إلى تحمّله قسطًا من المسؤوليّةِ ومساهمته في صياغة ذاكرة شعبه الجماعيّة بجمعه كلّ ما يتسنّى له جمعه وتسجيله من رواياتٍ شفويّةٍ لأناسٍ قادرين على الإدلاء بما هو مفيدٌ ومهمّ، مؤكّدًا على أنّ الأهميّة تكمن في جمع الرّوايات الشّفويّة، ومن ثمّ تأتي أهميّة كتابتها ونقدها.

وفي الجلسة الموسومة بعنوان ” التّاريخ الشّفويّ كأحد مصادر كتابة التّاريخ – يافا كمركز ثقافيّ عربيّ وعلاقته بمراكز أخرى كالقاهرة وبيروت “، تحدّث الأستاذ سامي أبو شحادة عن مدينة يافا في محاور خمسة: المحور الثّقافيّ، المحور الاقتصاديّ، المحور الاجتماعيّ، المحور السّياسيّ، المحور الدّيموغرافيّ.

أطلع أبو شحادة المشاركين بدايةً على معطيات وآليّات عمليّة جمع وتدوين الرّوايات الشّفويّة المتعلّقة بمدينة يافا، خصوصًا فيما يتعلّق بالنّكبة عام 1948 وحملات التّشريد الّتي لحقت بأهل يافا، كاشفًا عن بعض التّحديات والمشكلات الّتي تواجهه كجامع ومؤرّخ، منها أنّ الرّواة ممّن عاصروا تلك الحقبة الزّمنيّة يخشون الادلاء بما لديهم من معلوماتٍ اعتقادًا منهم أنّ مجرّد الحديث عن النّكبة هو خوضٌ في ميدان السّياسة ويجلب المتاعب ويجعل الشّخص ملاحقًا، وكأنّ فترة الحكم العسكريّ لا تزال تسكن عقولهم وتسيطر عليها بكلّ تفاصيلها. ومنها أنّ بعض النّاس ينفرون من الحديث عن تلك الحقبة الزّمنيّة لحساسيّة تلك الفترة نفسيًّا لدى النّاس، فبعضهم يرى أنّه مقصّرٌ ومسؤولٌ عمّا حدث، والحديث عن تلك الفترة يؤجّج لديه الاحساس بالذّنب ومرارة الهزيمة.

وأشار أبو شحادة إلى مدى التّفاوت والاختلاف ما بين ذاكرة قطاع نساء المجتمع اليافاويّ وذاكرة قطاع الرّجال من حيث المعلومات المختزنة في ذاكرة كلّ من القطاعين، مبينًا أنّ ذاكرة الرّجال ممّن أخذت عنهم شهاداتهم ورواياتهم اهتمّت أكثر بالجوانب السّياسيّة والاقتصاديّة ممّا هو الأمر لدى النّساء، أمّا النّساء فالذّاكرة لديهنّ قد برزت فيها الجوانب الاجتماعيّة أكثر ممّا هو لدى الرّجال. حتّى أنّ عمليّة التّحقيب الزّمني عند النّساء تتعلّق بمناسباتٍ اجتماعيّة أمّا عند الرّجال فتتعلّق بأحداثٍ سياسيّةٍ.

وبيّن شحادة كيف أنّ نوعيّة الذّاكرة وما يصدر عنها من روايات تتأثّر كثيرًا بالبعدين الاجتماعيّ والاقتصاديّ، فالرّواية الّتي تأخذ عن شخصٍ انتمى لطبقةٍ أرستوقراطيّةٍ نخبويّةٍ مثقّفة تختلف كثيرًا عن روايةٍ تأخذ من فلاّحٍ بسيطٍ كادحٍ فقير، ففي الأولى نجد البعدين الثّقافي والسّياسي حاضرين بقوّة، أمّا في الثّانية فنجد الأرض والزّراعة والفقر. كاشفًا للحضورِ عن أنّ الرّوايات الّتي أخذها عمّن تبقّى من سكّان يافا وهم في غالبيّتهم ينتمون إلى مجتمعات الرّيف اختلفت كثيرًا في ملامحها ومعطياتها عن تلك الرّوايات الّتي أخذها عن أناسٍ هجّروا التقى بهم في عمّان انتموا إلى الطّبقة الارستوقراطيّة المثقّفة في يافا عام 1948.

دعا أبو شحادة إلى إقامة مشروع بناءٍ لصورة مدينة يافا كأهمّ مدينة ديموغرافيّة في عهد الانتداب ومركزٍ ثقافيٍّ عربيٍّ مهمّ جدًّا له علاقاته المهمّة مع مراكز ثقافيّة عربيّة كالقاهرة وبيروت. خصوصًا وأنّ الحياة الثقافيّة في فلسطين عمومًا، وفي يافا خصوصًا لم يتمّ تناولها من قبل الباحثين والمؤرّخين جدّيًّا إلاّ فيما ندر. مؤكّدًا على ضرورَةِ استحضارِ صورة مجتمع المدينة الفلسطينيّة وبيئتها ما قبل النّكبةِ بكلّ ما فيهما من تفاصيلٍ ومعطياتٍ وأحداث تاريخيّة وأبعاد اقتصاديّة حتّى نتمكّن من استيعاب مفهوم النّكبَةِ، وعدم الاكتفاء بالنّكبةِ كحدثٍ وتاريخٍ، إنّما الالتفاتُ كذلك دراسةً وتحليلاً وتدوينًا ونقدًا إلى ما كان موجودًا قبل النّكبة.

ومن أهمّ المعلومات الّتي قدّمها أبو شحادة في محاضرته عن مجتمع يافا وبيئة المدينة:

1. بلغ تعداد سكّان مدينة يافا وضواحيها عشيّة النّكبة 120 ألفًا تقريبًا، 80 ألفًا منهم سكنوا يافا المدينة، و 40 ألفًا سكنوا القرى المحيطة بالمدينة.

2. دخلت السينما إلى يافا في سنوات العشرين من القرن الماضي، وبلغ عدد دور العرض فيها عشيّة النّكبة عشر دور، حوت كلّ واحدةٍ منها ألف مقعدٍ تقريبًا، وعرضت في الغالب الأفلام المصريّة. وكانت السّينما مفتوحة أمام النّساء كما يظهر في الرّوايات الشّفويّة، ومثل هذه الرّوايات ينطبق على أربعينيّات القرن الماضي، أمّا في ثلاثينيّاته فقد كان المجتمع العربيّ اليافاويّ يبدي نوعًا من التّحفّظ تجاه دخول المرأة إلى السينما.

3. صدرت في يافا ما بين 1900 – 1950 عشرات الصّحف والمجلاّت، أهمّها صحيفتا الدّفاع وفلسطين.

4. جزء كبير من سكّان يافا كانوا من الأجانب ومن مختلف الجنسيّات، وقد تواجدوا فيها كمقيمين دائمين، وبالتّحديد من الجنسيتين الألمانيّة والبريطانيّة.

5. انتشرت في يافا عشرات النّوادي التّابعة لمختلف القطاعات الاجتماعيّة والمؤسّسات والهيئات، وقد وفّرت تلك النّوادي حركةً ثقافيّةً وتربويّةً نشطةً جدًّا استقطبت كبار المفكّرين والأدباء والشّعراء من العالم العربي، وقد تنافست تلك النّوادي فيما بينها على تقديم الأفضل للجمهور. ومن أهمّ تلك النّوادي النّادي الأرثوذوكسي والنّادي الإسلامي.

6. استضافت يافا علماء وأدباء كبار ألقوا في النّاس محاضراتٍ كانت تستقطب مئات، بل آلاف النّاس، كالمازني وطه حسين وميخائيل نعيمة وغيرهم.

7. نشط المسرح في يافا كثيرًا، وقد قصدت يافا فرق مسرحيّة متعدّدة من مختلف أنحاء الوطن العربيّ، فنجد مثلاً اعلانات لمشاهدة عروض تقيمها فرقة عادل قصّار في يافا.

8. استضافت يافا عمالقة الطّرب، أمثال عبد الوهّاب وأم كلثوم وفريد الأطرش.

9. أنشأ البريطانيّون في يافا إذاعة اسمها ” الشّرق الأدنى “، وذلك بهدف تعميم مواقفها السّياسيّة والعسكريّة ونشرها بين النّاس، وقد خصّصوا لها ميزانيّةً هائلة، تمّ بواسطتها استجلاب العديد من المطربين والشّعراء والأدباء والمقرئين إلى يافا، وأقيمت نشاطات ثقافيّة كثيرة، وذلك حتّى تلقى الإذاعة الرّضى والانتشار بين النّاس. وكان من نتائج عمل الإذاعة ونجاحها أن سكن محمّد عبد المطلب في يافا مدّةً من الزّمان.

10. جمعت يافا ببيروت والقاهرة وعمّان ومناطق أخرى من العالم العربي علاقات ثقافيّة واقتصاديّة وطيدة، فكان تنقّل النّاس ما بين مدينتي يافا وبيروت عمّان مثلاً أمرًا طبيعيًّا وعاديًّا في حياتهم، إذا كان مفهوم الجغرافيا والحدود مختلفٌ تمامًا ما قبل سنة 1948 عمّا هو بعدها.

لقد ساهمت السّينما وساهم المسرح والوفود الأجنبيّة في خلق تصوّرٍ لدى سكّان يافا عن العالم خارج يافا، كما أنّ شبكة المواصلات وخطوط النّقل الدّائمة والحيويّة الّتي ربطت يافا بمدن كعمّان وبيروت جعلت من مسألة التّنقّل من وإلى يافا مسألةً سهلةً وغير معقّدة.

كان المقتدرون ماديًّا يبعثون بأبنائهم للدراسة في معاهد وكليّات وجامعات لبنان والقاهرة، وكان هؤلاء يتأثّرون بمجتمعات وبيئات دراستهم وينقلون متى عادوا إلى وطنهم ملامحها وسماتها المركزيّة، فنشهد مثلاً كيف أنّ التّيّار القوميّ العربيّ الّذي نشط في بيروت قد أثّر إلى حدٍّ بعيد بمثقّفي يافا وقادتها.

ومن ملامح التّبادل الثّقافي البارزة ما بين يافا من جهة وبيروت والقاهرة من جهة أخرى أن كان مدير مدرسة يافا الأرثوذوكسيّة في العشرينيّات من القرن الماضي بيروتيًّا، أمّا المدرسة العامريّة فقد كان مديرها في الحقبة نفسها قاهريًّا.

11. كان العالم العربيّ ما قبل عام 1948 مفتوحًا أمام التّاجر اليافاويّ إضافةً إلى العالم الغربيّ، وكان التّبادل الاقتصاديّ ما بين يافا ومراكز العالم الاقتصاديّة العربيّة والعالميّة نشطًا جدًّا، فتفيدنا المصادر مثلاً بوجود شارعين كاملين في يافا قد بناهما تاجران لبنانيان بهدف الاتّجارِ والاستثمار، ونجد أنّ محلاّتٍ كثيرة في يافا كان يملكها تجّارٌ ومستثمرونَ مصريّون.

12. كانت يافا ما قبل النّكبة تنتج وتصدّرُ كل عام ما يقارب الـ 4500 مليون صندوق برتقال. ولنا أن نتخيّل حجم التّشغيل والحراك الاقتصادي الّذي احتاجه هذا القطاع وحده في تلك الحقبة، من عمّالٍ وآلاتٍ وورش عملٍ وزوارق بحريّة وحساباتٍ، لنستنتج أنّ الحراك الاقتصادي في تلك الحقبة كان نشطًا بصورةٍ عظيمةٍ.

أمّا الجلسة الثّالثة، فقد تحدّث فيها د. جوني منصور عن مدينة ” حيفا ” متناولاً كلّ من الأبعاد الجغرافي، الدّيموغرافي، الاجتماعي، الاقتصادي، الثّقافيّ والسّياسيّ، عارضًا صورًا ووثائق تظهر تلك الأبعاد واقعًا حيًّا وملموسًا.

أمّا عن البعد الدّيموغرافي وتأثير وفود المهاجرين إلى مدينة حيفا على هذا البعد، فقد تتبّع د. منصور عمليّات التّحوّل الدّيموغرافيّة الّتي طرأت على حيفا ما بين الأعوام 1900 – 1948، معتبرًا أنّ عمر مدينة حيفا الفعليّ القويّ خلال القرنين المنصرمين كان عند النكبة اقل من 45 عامًا ابتداءً من سنة 1905 حيث أنشأت السّلطات العثمانيّة سكّة حديد تمتدّ من درعا شمالاً وحتّى بئر السّبع جنوبًا مرورًا بحيفا كمحطّةٍ مركزيّة.

كان تعداد سكّان حيفا حتّى عام 1900 لا يتجاوز الـ 8000 آلاف نسمة، ثمّ بدأت تشهد المدينة بعد ذلك وفود مهاجرين إليها من أصقاعٍ وبقاعٍ مختلفة، فجاء إليها مع بدايات القرن العشرين الحورانيّون جالبين معهم الطّابع المعماريّ الحجريّ الّذين اشتهروا به، إضافةً إلى هجرات بطيئة جدًّا شهدتها المدينة من قرى الجليل وقرى المثلّث الشّمالي. كما ووفدت إلى المدينة جاليّات أجنبيّة وتحديدًا من البريطانيين والفرنسيين، إضافةً إلى قدوم مهاجرين من ألمانيا في إطار مشروعٍ استيطانيّ.

كما ووفدت إلى مدينة حيفا مع التّحوّلات الاقتصاديّة النّوعيّة الّتي شهدتها المدينة مع إنشاء مشروع سكّة الحديد في العهد العثماني، ثمّ إنشاء مشاريع أخرى مهمّة في ظلّ الانتداب، وفدت إليها عائلات عربيّة من بلاد الشّام وعائلات تركيّة كذلك، استثمرت وأقامت المشاريع الاقتصاديّة ممّا ساهم في تطوير المدينة اقتصاديًا وثقافيًّا.

بلغ تعداد سكّان مدينة حيفا عشيّة النّكبة سنة 1948 الـ 70 ألفَ مواطنٍ، تمّ اقتلاعهم من بلادهم وتهجيرهم ومصادرة أملاكهم ولم يتبقّى منهم سوى 2700 نسمة تمّ حصرهم في حي وادي النّساس؛ هم في غالبيّتهم العظمى من الفقراء المعدمين المنتمين إلى الطّبقة البسيطة الكادحةِ، أمّا المثقّفون والمتعلّمونَ والنّخبة القياديّة والاقتصاديّة فقد تمّ ترحيلها ولم يبق ممّن ينتمون إليها سوى أفراد.

أمّا عن البعد الاقتصاديّ في مدينة حيفا ما قبل عام 1948، فقد بيّن د. منصور العوامل الّتي أدّت إلى تطوّر الوضع الاقتصادي في المدينة نحو الأفضل، وبوتيرةٍ زمنيّةٍ متسارعةٍ، وماهيّة تأثير هذا البعد على الأوضاع الثّقافيّة والحركة العمرانيّة في المدينة، من تلك العوامل:

1. إنشاء مشروع السّكّة الحديديّة في العهد العثماني، والّذي هدف إلى ربط دمشق بالحجاز، مع وجود الحاجة إلى محطّة بحريّة، فاختيرت حيفا لذلك.

2. إقامة مشاريع استثماريّة على يد المهاجرين الألمان الاستيطانيين في المدينة.

3. إنشاء الإنجليز للميناء في المدينة كنقطةِ سيطرةٍ ومحطّة إمدادٍ لجيوشهم في الشّرق الأوسط.

4. مدّ خطّ النّفط ( كركوك – حيفا ) ما بين العراق وفلسطين.

5. استثمارات العائلات العربيّة والتّركيّة وإقامتها للمشاريع الاقتصاديّة في المدينة.

6. إقامة مراكز صناعيّة ثقيلة من قبل مستثمرين يهود.

إقامة كلّ تلك المشاريع في المدينة أدّى إلى توفير فرصِ عملٍ كثيرةٍ لسكّان المدينة والمواطنين الفلسطينيين من قرى الجليل والمثلّث وإيجاد حركةٍ اقتصاديّةٍ وتجاريّةٍ نشطةٍ جدًّا، ومع مرور الوقت وجد العامل العربيّ الفلسطينيّ الّذي يتنقّل يوميًّا ما بين قريته ومدينة حيفا أنّ استقراره حيث مكان عمله في المدينة أفضل، فكان يأتي بعائلته ويستقرّ في المدينة، ممّا أدّى إلى تزايد تعداد سكّان المدينة أكثر فأكثر، مع استمرار وفود المستثمرين العرب والأجانب وامتدادها نتيجةً لذلك في كلّ الاتّجاهات.

كان امتداد حيفا العربيّة يتمّ بشكلٍ مستطيل فسيطرت مع مرور الوقت على القطاع السّاحلي مع السّفوح الجبليّة البسيطة غير المرتفعة، متجاوزةً مع امتدادها غربًا الحيّ الألماني الّذي كان من الصّعب تجاوزه بدايةً، وامتدّت باتّجاه الشّرقِ نحو وادي الصّليب والحلّيصة وسكّة الحديد.

أمّا الاستيطان اليهودي فقد تمركز في القمم وفي قلب الكرمل، وهذا سهّل عمليّة انقضاض منظّمه الهاغاناة على المدينة وتشريد سكّانها.

وتحدّث د. منصور عن العائلات العربيّة الغنيّة الاستثماريّة والّتي كانت سببًا مركزيًّا في إنعاش المدينة وتطويرها اقتصاديًّا وعمرانيًّا.

ومن تلك العائلات عائلة الخيّاط الّتي كانت تملك شركة باصات نافست شركة باصات ” אגד ” الّتي كانت تعمل على نقل اليهود من وإلى وداخل الأحياء اليهوديّة. والّتي كانت تملك مبانٍ كثيرةً بالقرب من الميناء أجّرتها لسلطة الانتدابِ لتكون مقرًّا لمكاتبها وموظّفيها.

وهنالك أيضًا عائلة البوطاجي الّتي اهتمّ أبناؤها بتجارة الأدوات الكهربائيّة، وكانت لهم فروع في نابلس والقدس وعمّان وبيروت.

وقد أشار د. منصور إلى العلاقات ما بين اليهود والعرب في المدينة، مبيّنًا أنّه لم تكن تجمع ما بين القطاعين أيّ علاقات لا ما قبل عام 1948 ولا بعده إلاّ بهدفِ الاتّجارِ وخدمة المصالح الاقتصاديّة، مستشهدًا بعائلة قرمان الّتي كانت شريكةً في شركة ” סולל בונה ” في بعض المحاجر والكسّارات.

أمّا عن البعد الثّقافيّ والفنّيّ في مدينة حيفا، فقد بيّن د. منصور أهميّة موقع حيفا الجغرافي وطابعها الاجتماعيّ المتعدّد في إغناء حياتها الثّقافيّة والفنية، إذ كانت تربط ما بين الشّرق والغرب، ما بين بيروت والقاهرة، وما بين السّاحل الفلسطينيّ والدّاخل الفلسطينيّ، إضافةً إلى علاقتها بيافا وعمّان، وذلك جعل منها مسرح تنقّلاتٍ بشريّةٍ من وإلى أرجاء المنطقة المختلفة. وهي مدينةٌ سكّانها متنوّعو الأصول والعرقيّات والإثنيّات، وكلّ ذلك يغني بيئة المدينة ثقافيًّا وتربويًّا.

ولنا أن نقرأ سمات النّشاط الثّقافيُّ في مدينة حيفا واقعًا ملموسًا من خلال المدارس، النّوادي، المؤسّسات، الفرق الرّياضيّة، المسرح، السّينما، الحفلات، المحاضرات، الفرق الكشفيّة، النّشاطات الثّقافيّة والفنّيّة:

1. استقبلت حيفا كبار المطربين من مختلف أنحاء الوطن العربي، فقد قدمت إليها أم كلثوم وغنّت في متنزّه الانشراح، وهناك رواية غير متأكّد من صحّتها تفيد بأنّها قد حصلت على لقت ( كوكب الشّرق ) في مدينة حيفا، كما وأنّ الفنّانة اللّبنانيّة صباح قد جاءت إلى حيفا وقدّمت فيها عروضًا غنائيّة، وكذلك كلّ من فريد الأطرش وأسمهان الأطرش.

وتفيد المصادر بأنّ بلديّة حيفا قد عملت على استقبال الفنّان عبد الوهّاب وتقديم التّحيّة له بواسطة الفرقة الكشفيّة عندما مرّ بها وهو في طريقه إلى زحلة مستقلاًّ القطار، دون أنّهُ لم يزرها يومًا.

2. كانت للألمان الهيكيليين في مدينة حيفا مؤسّسات ونوادي وجمعيّات وأملاك خاصّة مستقلّة، تقيم فيها النّشاطات الثّقافيّة والتّربويّة وتقدّم الخدمات التّعليميّة.

3. استقبلت مدينة حيفا العديد من الشّعراء العرب الكبار، من أهمّهم الشّاعر العراقيّ محمّد مهدي الجواهري.

4. كان في مدينة حيفا مسرح عربيّ فلسطينيّ يشرف عليه ويقوم بتدريب المؤدّين وكذلك التّمثيل عميد المسرح الفلسطينيّ ( إسكندر أيوب بدران )، وذلك بالرّغم من أنّ المسرح لم يكن مجال اختصاصه وعمله.

5. كان الفنّان يوسف وهبي كثيرًا ما يأتي إلى مدينة حيفا برفقة فرقته المسرحيّة ” رمسيس “، وكان يحصل من مسرح اسكندر بدران على مؤدّين يؤدّون أدوارًا ثانويّةً نيابةً عن أعضاء فرقته الّذين لم يكن يتسنّى لهم القدوم معه.

6. أقيمت في حيفا نوادٍ عديدة رياضيّة وطائفيّة نشطت في العديد من السّياقات الثّقافيّة والسّياسيّة والتّربويّة. من أهمّ النّوادي الرّياضيّة: نادي الشّباب العرب، النّادي الأرثوذوكسي، النّادي الإسلامي، ونادي التّيرسانا. وقد كانت تلك النّوادي تشترك بمباريات ومسابقات مع الجيش البريطاني ومع فرق من القاهرة وبيروت.

أمّا النّوادي الطّائفيّة، فقد كانت لكلّ طائفة نادي خاصّ.

من الأمثلة على نشاطات النّوادي المركزيّة في حيفا تنظيم النّادي الأرثوذوكسي سنة 1944 يوم إحياء ألفيّة أبي العلاء المعّري. وقد أرغموا البلديّة على تسمية أحد شوارع المدينة باسم المعّري، وهو يحمل حتّى الآن الاسم نفسه.

7. انتشرت في حيفا الجمعيّات الخيريّة المسجّلة وفق أنظمة التّسجيل العثمانيّة، وكانت هذه الجمعيّات توفّر الخدمات المتنوّعة وبمقدّمتها دروس مساعدة للأولاد، إضافةً إلى المساعداتِ الاقتصاديّة وعقد المحاضرات.

8. كان للفنّان سليم الحلو دارًا لتعليم الموسيقى في شارع ألنبي بالشّراكة مع الفنّان حليم الرّومي.

9. كانت في حيفا إذاعة اسمها ” الشّرق الأدنى ” وقد ساهمت في تطويرها ودعمها عائلة صهيون المعروفة بوطنيّتها ومواقفها القوميّة المشرّفة.

10. كانت في حيفا مدارس عديدة لعبت دورًا ثقافيًّا مهمًّا، يمكن تصنيفها كالآتي:

أ‌- مدارس أهليّة تبشيريّة تعلّم بلغتها.

ب‌- مدارس كنسيّة مسيحيّة محلّيّة تدرّس باللّغة العربيّة.

ت‌- المدارس اليهوديّة.

لم تقم المدارس بدمج العرب مع اليهود، إلاّ مدرسة واحدة وهي مدرسة الفرير، إذ كان 35% من طلاّبها يهودًا، وكانت لغات التّعليم فيها العربيّة والفرنسيّة والألمانيّة.

وكانت تلك المدارس تمنح خرّجيها شهادة المِترِكْ، الّتي تمهّد الطّريق أمام الحاصل عليها للالتحاقِ بالجامعة الأمريكيّة ببيروت والقاهرة والكلّيّة العربيّة في القدس.

11. كان في حيفا أربع دور سينما بملكيّة يهوديّة، نافستها عائلة الصّيقلي، وكانت تعرض أفلامًا مصريّةً بالعموم.

تلخيص اليوم الدراسي – قدمه الأستاذ فوزي ناصر

في ظل ظروف مركبة قوامها غياب الرواية العربية المدوّنة والأرشيف والكينونة السياسية الثقافية الاجتماعية المستقلة في ظل التمزّق الذي شهده مجتمعنا وفي ظل السياسة الرسمية التي تعمل على تعميق الغربة بين الوطن وأهله في مناهج التدريس وتغيير التسميات.

في مثل هذه الظروف نرى أن الرواية الشفوية المدروسة والمتطابقة مع الحقيقة التاريخيّة تعتبر بديلًا للتاريخ المدوّن والمؤرشف، ومن الضروري إن نلتقي دائما لنسمع من الباحثين في هذا الاتجاه أمثال ضيوفنا الأعزاء – ليكون ما توصلوا إليه زادًا لنا ولأجيالنا الصاعدة التي تحرمها المدارس من معرفة تاريخها الحقيقي الصحيح.

إننا نعمل على أن نروي لطلابنا في المدارس روايتنا كما نعرفها نحن، كما نرويها نحن كي منها زادًا ومناعة، لذا فإننا بحاجة إلى أمثالكم أيها الأساتذة والمرشدون فأنكم بمعرفتكم الواسعة وانتمائكم لقضية شعبكم.

رسلنا الذين ينقلون لأجيالنا اللاحقة رواية جيل مضى ووطن باقٍ في قلوبنا وأذهاننا.

اليوم الدراسي بتمويل مؤسسة التعاون.

دورة إعداد مرشدين للقرى المهدّمة والمهجّر أهلها

نظمت جمعيّة الثّقافة العربيّة دورة لإعداد مرشدين للقرى المهدّمة والمهجّر اهلها، اشترك فيها ما يقارب 30 مشتركا من مدرسي الجغرافيا، التاريخ، والمهتمين. تضمنت الدورة الموضوعات التالية: مدخل عام قدمه د. صالح عبد الجواد، الأرض وملكية الأرض قدمه د. راسم خمايسي، الاستيطان والتهجير قدمه المحامي جميل دكور، الانتداب البريطاني والصهيونية قدمه د. جوني منصور، أحداث 47+48 قدمه د. صالح عبد الجواد، نضال المهجرين في وطنهم قدمه المحامي مروان دلال، القرى غير المعترف بها قدمه د. راسم خمايسي، نماذج من القرى، نماذج من قصص التشريد قدمه الصحفي وديع عواوده.

المرشدون

د. جوني منصور

تضمنت الدورة 12 محاضرة بواقع مرة في الأسبوع، و12 رحلة إلى القرى المهدمة والمهجر أهلها حسب التقسيم التالي:

ياقوق – كفر عنان- الصفصاف- كفر برعم- قدس

لوبية- حطين- الخالصة-الخصاص

معلول- اللجون- السجرة- المجيدل

صفورية- هوشة- الدامون- منشية عكا-الزيب

كويكات- الكابري- الغابسية-البصة-إقرث

الحرم- مجدل الصادق-قيسارية

يافا-اللد-الرملة

أم الزينات-زمارين-السنديانة

عين غزال-إجزم-الطنطورة-جبع-الصرفند-كفرلام

عمواس-زكريا المحراب-بيت جبرين

عين كارم-سطاف-القسطل-صوبا

المالحة-دير ياسين-لفتا

صفد-عكبرة-عين الزيتون-عموقة

كل الرحلات والجولات بمرافقة المرشد فوزي ناصر.

بالإضافة إلى ذلك نظّمت الجمعية سلسلة من الأيام الدراسية مع المرشدين بهدف تعميق معرفتهم حول جوانب مختلفة للمكان الفلسطيني.

سامي أبو شحادة

الدورة

رحلات الجذور، والبحث عن معنى للنكبة

رحلات إلى الجذور .. والبحث عن معنى للنكبة

تأتي “الرحلات إلى الجذور” التي تنظمها جمعية الثقافة العربية، في إطار المساهمة في بلورة هوية ثقافية منفتحة على الواقع والتاريخ، ترتكز على أسس إنسانية وديمقراطية، وتتجاوز الانغلاق والنزعات القبلية، والمساهمة في النقاش المستمر لمضمون “هويتنا الثقافية”، بما يتلاءم مع انتمائنا القومي ومع الانفتاح على ثقافات الشعوب المختلفة، ومساعدة الشباب على التعرف إلى تاريخهم وحضارتهم، ومساعدتهم في تطوير شخصية مبادرة واعية لحقوقها وواثقة بنفسها، مما يساعدهم على تطوير تفكير نقدي، وتعزيز التواصل مع الفلسطينيين في الوطن والشتات، والمساهمة في دعم النشاط الثقافي، الأدبي، الفني، الإعلامي، ضمن معايير تحافظ على الانتماء، الإبداع، الرقي والتواصل الإنساني العام، والتشديد على أهمية دور المدارس وسائر المؤسسات التعليمية التربوية خصوصًا ضمن واقع أقلية قومية، والمساهمة في إعادة النظر في مناهج التعليم السائدة، ومحاولة طرح البديل، وتشجيع الأكاديميين على إقامة أطر تتناسب وتخصصاتهم وتمكنهم من القيام بدورهم في المجتمع، وتساعدهم في رفع مستواهم الثقافي والتواصل فيما بينهم لمناقشة الأمور التي تهمهم.

كان من المتوقع أن تبدأ 4 حافلات صباح يوم الجمعة (12/05/2006) أولى “الرحلات إلى الجذور”، وهو اليوم الأول من ثلاثة أيام. إلا أن الدقائق الأولى كانت كفيلة بأن تسارع “جمعية الثقافة العربية” التي نظمت الرحلات، إلى الاتصال بشركات المواصلات وحجز حافلة أخرى وأخرى، حتى وصل العدد إلى 13 حافلة خلال ساعتين، لم أتابع بعدها العد.

عشرات الحافلات انطلقت يوميّا خلال الأيام الثلاثة، الجمعة والسبت والأحد (12/05/2006-14/05/2006)، والتي ستستمر في الأسابيع القادمة، أقلت الآلاف من مختلف القرى والمدن الفلسطينية في الداخل، في الجليل والمثلث والنقب، في طريقها إلى مدينة الناصرة، حيث نظمت جمعية الثقافة العربية معرض صور فوتوغرافية من سنوات 1862 لغاية 1948، عن النكبة والتهجير، وصور تروي قصة فلسطين قبل النكبة، تروي قصة المدينة الفلسطينية بكل مكونات المدينة الفلسطينية الحضارية والثقافية كالمدراس والكليات والفرق الموسيقية، في حيفا ويافا والناصرة وعكا وصفد وطبرية والقدس وبيت لحم وغزة والخليل، وصور لمحطات نضالية مهمة في حياة الشعب الفلسطيني مثل ثورة 1936، وصور أخرى لمناضلين أمثال محمد جمجوم… باختصار، كانت الدقائق التي يمضيها الناظر في معرض الصور كفيلة بأن تعيده إلى أجواء النكبة بكل أحداثها وآثارها وأبعادها، وتقذف بكم هائل من المعلومات التاريخية في ذهن الناظر، فضلاً عن التفاعلات، بكل الشحنات التي يتركها، مع صورة لأعواد المشانق المنصوبة للمناضلين الأبطال من أبناء شعبنا، هنا، وصورة أخرى لقرية كانت تعيش عيشة وادعة وبين عشية وضحاها جرى محوها تمامًا عن الخريطة، هناك… ومئات الصور الأخرى هنا وهناك.

كان معرض الصور المحطة الأولى في “الرحلات إلى الجذور”، تخلله شرح عن المعرض قدمته مديرة الجمعية، د.روضة عطا الله، كما تخلله توزيع كراس خاص أعدته جمعية الثقافة العربية “رحلات إلى الجذور – خاص للذكرى الثامنة والخمسين للنكبة”.

وقد اشتمل الكراس على المسارات التسعة لرحلات الجذور، وهي موزعة كالتالي:

المسار الأول – قانون (قضاء طولكرم) ومجدل الصادق وهي من قرى الرملة، والمزارية (المزيرعة).

المسار الثاني – الغابسية والكابري واقرث.

المسار الثالث – عكا والمنشية والبصة.

المسار الرابع – عين غزال وإجزم وجبع وصرفند.

المسار الخامس – لوبية وحطين وطبريا.

المسار السادس – كفر برعم وكفر عنان وسبلان والصفصاف.

المسار السابع – الخصاص والخالصة ويردا.

المسار الثامن – هونين والنبي يوشع وقدس.

المسار التاسع – يافا عروس البحر واللد والرملة.

بعد المعرض انطلقت الحافلات إلى المسارات المخططة، المسارات التسعة الممتدة من جنوب البلاد حتى شمالها، رافقها مرشدون لم يكلوا ولم يملوا من عناء الشرح والخوض في التفاصيل والأرقام والتواريخ، خاصة وأن غالبية المشاركين في الرحلات كانوا من الأجيال الناشئة؛ الشباب والطلاب والأطفال برفقة ذويهم.

كانت التفاصيل التي قدمها المرشدون كثيرة ومذهلة، إلا أن قصة النكبة والتهجير كانت تتكرر في كل التفاصيل وإن اختلفت الأسماء والأرقام.. هنا ارتكبت مجزرة سقط فيها ستون شهيدًا وهناك سقط سبعون … هنا اغتصبت خمس فتيات فلسطينيات وهناك عشر.. هنا قصفت القرية وأجبر أهلها على الهجيج … لم يبق من هذه القرية سوى الكنيسة، وهناك لم يبق سوى الجامع.. هنا جرى محو القرية وآثارها عن الخريطة تمامًا… هذا الزيتون وهذا التين وهذا الصبار وهذه الحجارة تعود لهذه القرية… هنا وقعت معركة.. وهنا سقط الشهداء.. وفي هذه البئر ألقيت الجثث.. هنا كبلوا، وهنا أطلقت عليهم النار.. هنا … وهناك.

وكان من اللافت أن ينصرف الشباب الصغار إلى رحلة البحث عن الأسماء الأصلية، دلاتا أصبحت “دلتون”، والصفصاف أصبحت “سفسوفة”، وفراضية أصبحت “فارود”، وطلحة أصحبت “تل حاي”، وكنارة أصبحت “كنيرت”.

وكان من اللافت أيضًا أن تستمع من الأطفال في سنوات الكف الواحدة من عمرهم ينطقون بلثغة طفولية كلمات مثل النكبة والقرى المهجرة وحق العودة وفلسطين.

بقي أن نقول إنّ كراس “الرحلات إلى الجذور” قد اشتمل على مقال “في البحث عن معنى ..للنكبة” للدكتور عزمي بشارة، كان قد كتب قبل 8 سنوات.. ومن الجائز الافتراض أن المقالة ستكون عصية على الفهم لبعض الأجيال الناشئة، إلا أنه من المؤكد أنهم سيبدأون الآن في البحث عن معنى للنكبة…

تخلل المهرجان خلال الأيام الثلاثة رحلات إلى الجذور شارك فيها المئات من الأهالي ومن طلاب المدارس في الجليل والمثلث والنقب. وقد حددت جمعية الثقافة العربية هذه السنة ثمانية عشر مسارا لزيارة القرى المهجرة، وخصصت مرشدا لكل مسار. يشار إلى أن رحلات الجذور السنة الماضية تركزت في مدينتي يافا وعكا.

من رحلات الجذور: قصائد في دروب الجليل

“شبط” شباط ولبط هذا العام أيضا غير أن رائحته ظلت شتوية. ولا بأس بذلك فالأرض عطشى للمطر والفلاحون يصلون للمزيد من ماء السماء. جمعية الثقافة العربية اقتنصت يوم السبت المشمس وأخرجت مجموعة من الأدباء والكتاب الذين ضاقت بهم المكاتب والمنازل للقاء ممتع مع الطبيعة مدجّجين بكثير من الذخائر الشعرية. من كان يبحث عن الهواء العذري والروابي الخضراء ومذاق قصيدة جديدة فله أن ينضم لنزهة الكتاب.

الناصرة كانت نقطة البداية. استل المرشد فوزي ناصر المايكرفون من منظمة الجولة د. روضة عطا الله، مديرة جمعية الثقافة العربية وأخذ يروي رواية المكان والزمان باديا بالنكبة.

“يخطىء من يظن بأن التهجير بدأ في العام 48، فقد رحّلوا قرية المطلة الفلسطينية عام 1899 ولا يزال بعض سكانها يقيمون في بيت جن والدالية حتى اليوم”، قال ناصر وما لبث أن استعاد قصة بيع مرج إبن عامر ونوه إلى أن عائلة سرسك لم تكن لبنانية بل يونانية مقيمة في بيروت، والنتيجة ظلت واحدة.

عبرت الحافلة مفرق الخلادية (تسومت هموفيل” في لغة الدولة) حيث يلتقي وادي صفورية مع جدول الخلادية ويكونان وادي العمد الذي يصب في نهر المقطع في حيفا( الكيشون). في الطريق ما بعد شفاعمرو، جنوبا، لا تزال أشجار صبار ونخيل وخرائب بيوت تذكر بالمعركة الفاصلة بين أصحاب الوطن والطامعين، والتي كانت الخط الفاصل هناك بين حدود الدولتين العربية واليهودية وفق قرار التقسيم. وانضم ثلة من الكتاب للركب بعدما انتظرت في مفرق الناعمة( سومخ). وننوه مبكرا إلى أن إحياء مواقع المكان بمنحها أسمائها الحقيقية الأصلية يعكس رغبة بفضح المذبحة الثقافية المتواصلة بطمس المسميات.

لم ينس المرشد تقديم قصة تراثية -تاريخية عن البروة كما يفعل كل مرشد ناجح. “على يمينكم قرية البروة، وطن ومسقط رأس محمود درويش. هنا ساهم السكان المسلمون في اختيار أبو سليم جبران الخوري كاهنا سوية مع إخوانهم النصارى حينما شكلوا وفدا مشتركا للمطران دلالة على حياة الأخوة الحقيقية”، قال ناصر وأوضح أن ثلثي القرى الفلسطينية المهجرة كانت ضمن المساحة المخصصة للدولة اليهودية، لافتا إلى تهجير كافة أرياف قضاء صفد(77 قرية) عدا الجش وطوبا. وسبق وأكد المؤرخ أيلان بابه في كتابه الجديد” التطهير العرقي في فلسطين” الرواية التاريخية العربية بأن التهجير هو سبب الحرب وليس العكس، بمعنى أن الصهيونية شرعت بتطهير البلاد وفق مخطط وضع منذ الثلاثينات فتدخلت البلدان العربية والبقية تاريخ.

الغابسية كانت الاستراحة الأولى في الجولة. قبالة القرى المهجرة النهر والتل انتحت الحافلة في درب ترابي تنتصف المقبرة الإسلامية لنصفين فيما بدت الأضرحة مسواة بالأرض بسبب تسيب البقر لا البشر لا سمح الله، ولا جديد بذلك فإذا كانت تنتهك كرامة وحقوق الأحياء من الأغيار فما بالك بالأموات منهم حتى لو رقدوا في أرض الأجداد، مسجد أسير وكنيسة يتيمة.

كما في أقرث وبرعم استصدر أهالي الغابسية حكما من محكمة العدل الإسرائيلية في مطلع الخمسينات لإعادتهم لقريتهم الغابسية، لكنه باق حبرا على ورق حتى اليوم. في30.04.48 احتلت الهجاناة القرية وقتلت12 رجلا من بينهم داود زينة الذي رفع راية بيضاء على سطح المسجد حقنا لدماء المدنيين لكن رصاصات الفاتحين الجدد أردته قتيلا.

في الغابسية قتلوا من أجل التخويف والتهجير ولذلك نشروا ما اقترفت أياديهم، في دير ياسين التي قال العرب إن مائة من سكانها ذبحوا قالت أبواق الصهيونية أن العدد بلغ250.

وخيّر المحتلون سكان الغابسية بين الرحيل للقرى المجاورة أو التهجير لخارج البلاد، لكنهم سمحوا ببقاء عدد قليل من المسنين في منازلهم. ولاحقا منع أقاربهم من زيارتهم الا في ساعات النهار وكلما مات أحدهم هدم الاحتلال بيته إلى أن هدم المنزل الأخير في السبعينات. لم يبق سوى مسجد أسير محاط بدوائر من أسلاك شائكة تهدف منع صلاة الغابسيين والزائرين فيه لا منعا لحرية العبادة لا سمح الله، بل حفاظا على سلامتهم فالمكان “متداع”، حذرت لافتة بالعبرية.

مقابل المسجد كانت مجموعات كبيرة من الناشئة اليهودية تزرع الأغراس احتفاء بعيد الشجرة والتعرف على الوطن، وتاريخ الاستيطان من قبل 2000 سنة، وما تزال الدولة تحتفظ بجدار برلين بين هؤلاء وبين قصة الغابسية ومسجدها الأسير أو إقرث وكنيستها اليتيمة.

شجرة الخروب

حطت القافلة في حرش الكابري بجوار نبعي العسل والباشا والطاحون ضمن محطة جديدة. استهل المرشد مداخلته في ظل شجرة خروب لافتا إلى أنها من اليمن أصلا وأنها الشجرة الوحيدة في البلاد التي تزهر بالخريف وتقوم بإتلاف بعض أغصانها حماية لسائر الأغصان من الموت عطشا.واستذكر قصصا أسطورية مشوقة عن الخروب يوردها توفيق كنعان في كتابه البحثي حول التراث

وما لبث أن استعرض المرشد تفاصيل مثيرة عن المعركة الكبرى التي شهدها المكان بعدما قطع الثوار العرب طريق قافلة الهجاناة إلى مستوطنة ” يحيعام ” (بجوار قلعة جدين) وتمكن أهالي الكابري بفضل فزعة القرى المجاورة وبالذات من الكويكات من التغلب على قافلة الهجاناة وتكبيدها خسائر باهظة (47 قتيلا من بينهم قائد القافلة بن عامي فوختر الذي خلد ذكراه بإطلاق إسمه على اسم مستوطنة بن عامي شمال البلاد وشارع عكا المركزي). وبخلاف أبطال هذه الصفحة المشرقة في مسيرة النضال الفلسطيني والذين ظّلوا جنودا مجهولين في الرواية الشفهية والذاكرة الجماعية أنصفت الصهيونية جنودها القتلى في المعركة حيث احتفظت مراكبهم المدرعة وحملت لافتات معدنية شروحات مسهبة عنهم.

وبعد سحماتا وترشيحا زار الكتاب بلدة البقيعة التي تتغلب العبرية على العربية بوضوح في اللافتات المثبتة على متاجرها ومنازلها رغم كونها قرية الشعراء.وفي مضافة ” ديوان المختار” الظريفة أدار الأدباء صالون أدبهم. وروى أبو سامي صاحب المضافة تاريخ القرية والحياة الوادعة المتآخية بين سكانها اليوم.

ولفت إلى ما أثار ابتسامة المستمعين” سكن العشرات من اليهود في البقيعة قبل النكبة ولم يتقن معظمهم العبرية وأضاف “منهم أبو إبراهيم الهلالي الذي انخرط في جيش الإنقاذ لفرط تضامنه مع العرب..”

وقال الشاعر نايف سليم متوددا ” هنا في البقيعة تقع رجل الزائر إما على نبعة ماء أو على شاعر فحتى الأن أصدر57 شاعرا 220 ديوان شعر “. وحاول تفسير كثرة الشعراء بالإشارة لوجود مدرسة (مدرسة المسكوب ،روسية) في فترة مبكرة جدا فيها،1889 إضافة للطبيعة الساحرة في محيطها ولشجرة التوت في مركز القرية التي شكلت ظلالها الوارفة منبرا للشعر والزجل المتوارثين.وكان الدكتور حنا أبو حنا قد تساءل من جانبه عن سر إقبال المعروفيين على قرض الشعر تاريخيا من الكوفة إلى جبل العرب داعيا لدراسة الظاهرة التي ربما يكون “الظلم” أهم أسبابها. وتلت كوكبة من الشعراء قصائد جديدة من أبداعاتهم منها لسامي مهنا وتم تداولها بمنظار النقد قبالة موقدة مشتعلة ورشفات سخية من الشاي بطعم الزعتر ودقة “العدس”.

أبو رايق يناجي شجرة البلوط

وفي برعم نوه الشيخ إبراهيم العيسى أبو رايق(73 عاما) إلى استباحة حرمة المقبرة التي بنيت عام 1900 بعد شراء قطعة أرض بثلاث ليرات ذهبية. وعبر العيسى عن سخطه وأساه لوقوع الاعتداء وأضاف” يبدو أنهم باتوا يستكثرون علينا حتى مجرد الصلاة والموت هنا في أرض الأجداد”.

واستذكر العيسى على مسامع الزائرين أيام الطفولة والصبا في قريته المدمرة وأضاف ” في أغلب الأيام أكون هنا وحيدا مع الموتى فتجتاحني موجة من الحنين لحياتنا الوادعة في هذه البقعة المدهشة بجمالها فأصير أناجي الشجر والحجر.

وعبر أبو رايق وهو يمثل قبالة شجرة السنديان المحاطة بالقبور عن حالة الهيجان العاطفي التي انتابته بما يشبه الرثاء فقال:

“يا سنديانتنا الختيارة العتيقة

أنت شاهدة وأضبط وثيقة

ياما بظل غصونك تفيّينا

للغاصب تعي حكيلوا الحقيقة

للغاصب قومي احكيلوا

الحق لصاحبو لازم يجيلوا

مهما الأيام والسنين طولوا

الوطن إلنا ما بتخفا حقيقة”

وقد روى أبو رايق كيف حولت السلطات الإسرائيلية كفربرعم المجاورة للحدود اللبنانية لحديقة وطنية بعدما نسفت بيوتها ولم يبق منها سوى الكنيسة وعمارة أثرية رومانية، فيما حول بيت إبراهيم العيسى إلى حمامات عامة. كما نجت الكنيسة التي بنيت عام 1924 بعدما نقل الإسمنت على براميل خشبية محملة على الجمال من مدينة صور اللبنانية.

ثديا الجليل

في الطريق لبرعم سابقت الحافلة اقتراب عتمة الليل فيما واصل المرشد رواية المكان وكان توقف عند خربة رخبون بين بيت جن وحرفيش وقمتي جبل متجاورتين قال عنهما:”كان ربابنة السفن القادمة لميناء عكا من عرض البحر يرون هاتين القمتين في الجرمق اللتين عرفتا بثديي الجليل ويسترشدان بها وصولا للميناء.في الطريق من منطقة صفد نحو الشاغور تنبه المرشد للإشارة ل”مرقب البحرين” قبيل فراضية المدمرة، ومنه يمكن للزائر أن يرى بحر عكا وبحيرة طبريا. قبل بلوغ منطقة الشاغور الحد الفاصل بين الجليلين الأعلى والأسفل، روى ناصر قصة تسميات مواقع مختلفة على أسماء الأسد في بلادنا منها عين الأسد ودير الأسد وجبل حيدر وبئر السبع وهذه سيرة طويلة لا تقل عن سيرة الحية.

مقدمة كتاب “وتشهد الجذور” / د.روضة عطا الله، مديرة جمعيّة الثّقافة العربيّة

منذ النكبة تشتّت الفلسطينيون، فشرّد منهم من شرّد، وهجّر منهم من هجّر، وتقطعت الأوصال، على صعيد الإنسان والمكان، فأولئك الذين شرّدوا، انقطعت علاقاتهم الطبيعية بمن بقي وبما بقي.

وتعاقبت أجيال من اللاجئين بعيدًا عن الوطن، بعضها يعيش ذاكرةً وحلمًا….. وبعضها يسمع عنه، وبعضها يكاد لا يعرف عنه شيئًا… وأمّا الذين هجّروا وشرّدوا في الداخل، فقد أفاقوا كأهلهم على مشهدية جديدة، وعلى بلد ليس وطنًا، وعلى بيت ليس مسقط رأس… دولة (جديدة)، وحاكم آخر، لغة أخرى، وواقع آخر…. ومسقط الرأس منهم على مرمى حجر “لاجئ في بلده ” دونه أسلاك وحواجز وقوانين طوارئ وكتائب عسكر، وما بقي من المعالم من مساجد وكنائس، أو من أشجار الصبّار، وما بقي من رائحة التراب المروّى بعرق أصحابه اندثر شيئًافشيئًا…. ومحي شيئًا فشيئًا…. ولم تبق إلا الذاكرة يفعل فيها الزمان فعله… هي سنوات قليلة، تهاوى فيها عالم كاملٌ…. تلاشى فيها وطن.

أبحث عن عين حوض أو هوشه، إجزم أو الغابسية، السجرة أو المالحة، والمئات من أخواتها، فأجد سطرًا هنا وخبرًا هناك… أجدها في بطون الكتب الموثقة لما وقع… أعود بعد عقود لأبحث عن بيت كان لي في حيفا أو صفد، فلا أعرف الطريق التي زرعتها وردًاووعدًا… وفي كل عام أنكَب من جديد، وتمر ستون سنة، وعليّ أن أجبه من ادعي أن هذا الوطن بلا أهل، بحقيقة أنني أهله وناسه وتاريخه، وبأن حقي فيه لا تمحوه القوة والسياسات والتوازنات الدولية. حقي فيه شيء ممتد من الأزل وإلى الأبد، كترابه ومائه وهوائه.

فللذين بقوا من الفلسطينيين في الداخل، أو مشرّدين في المخيمات، أو مقيمين في المهاجر…. ولكل من يريد معرفة الحقيقة كما يراها ويرويها أهلها، نقدم هذا الدليل، هادفين إلى تعريف أجيالنا بتاريخ آبائهم وأجدادهم، وترسيخ علاقتهم بالمكان، واقفين على كل قرية بقي منها حجر، شارحين ما آلت إليه،  ومبيّنين الطريق إليها… ولا يدفعنا إلى هذا إلا الوقوف في وجه عمليات الطمس وتشويه المكان ودفن المعالم… فالناس هنا في هذا الوطن يحملون ” خريطة الطريق” تبين بالعبرية والإنكليزية أسماء كل المدن والمستوطنات والمناطر والكيبوتسات، والشوارع تزدحم بلافتات الإرشاد والتوجيه، كل ما حولك على طول الوطن وعرضه، تاريخ يهودي ولغة عبرية… تحقيق لما خطط له الفكر الصهيوني منذ نشأته، فلا عرب ولا قرى ولا أسماء ولا آثار…. وكأن ما حصل عام 1948 هو إعمارلصحراء مجدبة، أو تجفيف لمستنقعات كانت وحدها خارجة عن حدود التاريخ والعمران.

من هذه المسؤولية في المنطلق أو دأبنا على سدانة تاريخ شعبنا ووطننا، ولأننا نريد أن نعرض الحقيقة على قتامتها، قمنا بإعداد هذا المشروع المضني، الرائد، حتى لا تكون علاقة الإنسان بوطنه قضية موسمية، يوما على رزنامة التاريخ…

حتى نشرح للمقيمين وللقادمين من أنحاء العالم باللغتين العربية والإنجليزية عن معالم ما كان وما هو قائم، موضحا بخرائط تبين كيفية الوصول، والأماكن التاريخية، فهو بالإضافة إلى غايته الوطنية السامية- مرشد لكل من يرغب في التجول في أنحاء الوطن، عون للسائح في تجواله، ومرافق لطلبتنا في رحلاتهم المدرسية والأسرية… لقد آن لنا أن نحمل دليلا وخارطة، وبالعربية، تربط الحاضر بالماضي وتيسر الوصول إلى كل قرانا ومدننا العربية، لنوثق عرى علاقاتنا ونحيي اقتصادنا، لتدب الحياة في المكان، الذي كابر وصمد ونما بعكس ما خُطط له.