دعت جمعية الثقافة العربية المعماريين الى يوم دراسي تحت عنوان “في مفهوم المدينة – دراسات معمارية” يوم السبت 08.12.07 في فندق “جولدن كراون” في الناصرة. امتلأت القاعة بالحضور وغنّت وعزفت على العود الفنانة سلام أبو آمنة بصوتها الدافئ وعزفها الجميل، بعض الأغاني الفلسطينية. ثم افتتحت القسم الأول من اليوم الدراسي الدكتورة روضة عطاالله، مديرة الجمعية، بقولها: “بعد ما يزيد عن سنة من نشاط هذا المنتدى في جمعية الثقافة العربية تأكدنا من أنّ حضارتَنا المعماريةَ حاضرةٌ وبقوة، ولكنّ ثقافتَنا في الموضوع غائبةٌ أو ضعيفة، وأعزو هذا إلى عاملَيْن؛ الأوّل هو الصراعُ الحضاري الثقافي الذي نعيشه في إسرائيل كفلسطينيين، وأقصد الثقافةَ بمعناها الشمولي بدءًا من تفاصيل حياتنا الصغيرة كالمأكل والمشرب والملبس، ومرورًا بالأدب والشعر والرسم والموسيقى والمسرح والعمارة، ووصولاً إلى السياسة، والثاني كامنٌ في نظرتنا لأنفسنا… فكيف يرى المعماريُّ نفسَه؟ هل حقق أيَّ شيء وتميز بطروحات معينة؟

الجمهور

عندما نراجع ثقافة بعض المعماريين في العالم والذين نشعر أنهم يتوجهون إلى المعاني وليس إلى الشكل فقط، نكتشف أنّ الواحدَ منهم يدرس سنواتٍ طويلةً حتى آخر حياته (بعضهم)، ونكتشف أن المعماريَّ لا تصنعُه دراسة أكاديميّة وحصولٌ على هذه الدرجة أو تلك، المعماريُّ، إضافةً إلى أكاديميّته، نِتاجُ عملية صقلٍ وثقافةٍ وممارسةٍ ورؤيا، هو، بالمعنى العام، تكوينٌ ثقافيٌّ تعتَمِلُ في ثقافته هواجسُ اجتماعيةٌ ووطنية لتكون النتيجة أنه يكتب أو ينتج أو يخطط عمارةً للناس، ملامحها، في حالتنا، عمارة إنسانية تتعامل مع المعاني، وتذوب فيها العناصر، وتُطَوَّعُ فيها المفردات، وتكون جسدًا حنونًا تتآلف معه، يحيط ويحمي ككائن دافئ بالاستدارات والانحناءات والالتفافات والزوايا والخطوط واستمرارية الأشكال، حتى لترى المعماريَّ فنانًا وإبداعًا، وليس بالغريبِ إذًا، أنّ تدريسَ العمارة في كثير من بلدان العالم مربوطٌ بالفن والفلسفة وغيرهما.تشكيلُ عمارة فريدة أو متميزة، يتطلّبُ من المعماريّ قراءةً متأنيةً هادئة للبحث عن معناها وأبعادها وشكلها، وعن علاقة داخلها بخارجها، وعلاقة الأشكال داخلها، وعلاقة شكلها بموقعها، وهكذا تصبح العمارة عملاً فنيًا إبداعيًا.في أعمال بعض المبدعين العرب ترى إدراكًا لمسألة الهوية، فقد اعتبروا أن العمارة تقوم في مكانها ولمكانها وللناس في المكان، مع فهم نظري للعمارة الموروثة وإدراك ارتباطها بالمكان، رفعت الجادرجي، راسم بدران ومكية وغيرهم كانت لهم لغةٌ مختلفة لعمارة عصرية لا تنسى تاريخَها وتتواصل مع الزمن. يقول رهيف فياض: إنّ استعمالَ المعماريين العرب الرواد لبعض الأشكال التقليدية لم يكن بدافعِ النقلِ لذاتِه، أو بدافع ِحضورِ الماضي في عمارتهم، أو بدافع البكاء على أطلالِ أشكالٍ ربما تكون قد ماتت، بل كان بدافع التفتيش الصحيّ عن عمارة عصرية تلائمُ زمانَها ومكانَها وناسَها، وبدافع تواصلِ المشهد العُمرانيِّ في مدننا في الزمن، دون قطع فجّ، عنيفٍ”.ثم دعت د. يوسف جبارين ليقدم مداخلته حول “مفهوم المدينة” واستهلها بقوله: “إن قصة العمارة الفلسطينية لم تحكم. كانت دراسات صغيرة هنا وهناك ونوع من التعظيم لحياة المدن سابقًا، وإن هنالك حاجة ومكانا لإعادة الكتابة في موضوعة العمارة” وشكر جمعية الثقافة العربية لأنها جاءت تتكلم عن الموضوع، وأكمل شارحًا ثلاث نقاط هامة برأيه:

1. مفهوم المدينة وتطور حيزها

2. الحداثة والمدينة الفلسطينية وإعادة هيكلة المدينة العربية

3. اقتراح إقامة مدينة عربية كفكرة.

يوسف جبارين

ثم تحدث عن كل واحدة من النقاط على حدة، وذكر أن المدينة تحولت الى مشروع قانوني، وعن تلويث الجو الذي خلق أزمة جديدة في المدن، وعن أهم مشروع في العالم اليوم هو مشروع المدينة البيئية أو المدينة الصحية أو المدينة الخضراء أو المدينة الدائمة، وأن المدينة لا يمكن أن تقوم بدون عدل اجتماعي، والمدينة العربية في العالم العربي لم يحصل بها نهضة اجتماعية اقتصادية أو فكرية، والمدن العربية مثل: يافا، عكا، حيفا كانت فقيرة نسبيًا، وعن توقف بناء مشروع المدينة في الـ 48. ثم نبه الى أن الفلسطينيين في الداخل لم يحظوا في تاريخهم أن يكون لهم حقّ على مدينتهم وإعادة صياغتها وعن فكرة إقامة مدينة جديدة تعتمد على استحضار المركبات الجديدة وبشكل جمالي وأن تكون مبنية على شيء لا نعيشه نحن مثل مكانة المرأة – المساواة – قبول الآخر وما الى ذلك.

ثم كانت الكلمة لمخططة المدن هناء حمدان التي تعدّ أطروحة الدكتوراة في موضوعة “الانتماء والمدينة عند النساء الفلسطينيات في يافا”، فتحدثت عن التغييرات الحيزية والاجتماعية في يافا، وأعطت مقدمة عن يافا وتاريخها وتوسعها من القرن التاسع عشر وكيف كانت القصبة كبداية ثم تطورت أحياء جديدة مثل العجمي والمنشية وكان عدد سكان البلد 71,000 نسمة قبل الـ47، بعد الـ 47 تبقى 3600 نسمة.

تمت عملية محو وهدم مؤسّس كجزء من عملية إخلاء وحتى اليوم سياسة التجديد والإصلاح والتطوير شبه معدومة بل بالعكس. وتحدثت عن خطابها البحثي حول النساء، أولاً كنساء، وثانيًا كنساء عربيات والحيز الناتج عن الممارسات الحيزية اليومية والربط بين الاستعمال والامتلاك.

هناء حمدان

بعد استراحة ربع ساعة وسماع الفنانة سلام أبو آمنة من جديد بفيروزيات

  افتتحت المعمارية ريم قندلفت القسم الثاني من اليوم الدراسي، رحبت بالخريجين الجدد وأبرزت الفرق بين الأعداد التي لا يستهان بها من دارسي العمارة وبين ما كان عندما كانت هي طالبة للعمارة في التخنيون في الثمانينيات، ثم دعت المعمارية فاتن ابريق-زبيدات لتتحدث عن مشروعها “نوستالجيا” الذي حاز على جائزة أكاديمية وحصلت هي على منحة عزرائيلي لإكمال دراستها للقب الماجستير.

فاتن

تحدثت المعماريّة فاتن إبريق زبيدات، على ضوء الوضع السياسي في إسرائيل وعدم قدرة هذه الدولة على التعايش مع هويتين، عن فكرة أن يعيش أكثر من شعب في الحيّز، وكان نموذج بحثها شارع عكا- صفد وتحديد الهوية لهذا الحيّز الذي يحوي الأراضي العربية التابعة لمجد الكروم ودير الأسد ونحف وساجور والرامة.

ثم تحدث المعماري فرح فرح الذي حاز على جائزة “عزرائيلي” المرتبة الأولى وللمرة الأولى في الوسط العربي سنة 2007. مشروعه HUB-T، قدم لعدة مسابقات، بحث بطريقة العمارة الرقمية، يتعامل المشروع مع ناطحات السحاب ويعالج مشكلتين أساسيتين في المدن: 1. اكتظاظ المدن 2. المناطق المعزولة أو الميتة. المشروع Hub-T يحاول أن يطرح فكر جديد ان كان على الصعيد المدني او على صعيد المبنى. المبنى يقوم على شبكة شوارع سريعة من أجل أستغلال جميع المناطق المعزوله الناتجة عنها وفي نفس الوقت الأعتماد على هذه الشبكة لتأمين ربط المبنى مع المدينه عن طريق وسائل النقل.

ثم قدمت المعمارية جمانة لحام أبي نادر والمعماري وسيم مطر والمعمارية ميرا سابا-ديب مشروعهم الذي حاز على المرتبة الثانية من الجائزة – إحياء مركز المدينة، الناصرة نموذجًا، وتحدثوا عن داخل البلدة القديمة وعلى ما تحتوي من أديرة ومدارس ومراكز، وعن الحدّ الفاصل بين مركز المدينة وبين الأحياء الجديدة، وعن إمكانية التداخل بين المكانين والاستمرارية بدون العزل، ثم طرحوا أفكارهم بفيلم شرح رؤيتهم في إحياء مركز المدينة.

ولوحظ اهتمام المعماريين بالفكرة الجديدة التي طرحها المعماري فرح فرح حول إقامة الأبراج والإيجابيات والسلبيات والمعيقات في الموضوع.

بعد الاستراحة بدأ القسم الثالث، قدّم له المهندس حنا حورني الذي افتتح الحديث ببعض الأسئلة التي تدور على الألسن حول وضع الناصرة اليوم وما يجري فيها، ولماذا هنالك نزوح عن البلدة القديمة في الناصرة.

حنا حوراني

بدأ المهندس بشير عبد الرازق، عضو البلدية وصاحب الفندق ومهندس مدني ومساحة بمداخلته عن وضع الناصرة والتخلف في الخارطة الهيكلية التي تعتمدها الناصرة والتي انتهت صلاحيتها منذ عام 1965 ولم تنجح الناصرة حتى اليوم في بناء خارطة هيكلية جديدة، وتحدث عن انتقال المصالح إلى الناصرة العليا، وعن تخلفنا في قضايا التنظيم والتصنيع والمساحات وعدم إمكانيتنا مجاراة من حولنا في هذا الموضوع.  وتحدث عن ثلاث دوائر هامة لكيفية الحفاظ على الناصرة: الحفاظ على وضع السوق وعدم السماح بأي تغيير فيه وعمل خرائط هيكلية وأخيرًا تنشيط الحياة داخله عن طريق تطوير المكان عمرانياً وحياتياً ومحاولة إقامة مراكز حيوية هامة ومطاعم وحوانيت وأشياء تجذب الناس لزيارة السوق.

بشير عبد الرازق

ثم تلاه الباحث شريف صفدي – الذي يعدّ لدراسة الدكتوراه في الرسوم والزخرفة المعمارية في بيوت أغنياء فلسطين أواخر الفترة العثمانية- فتحدث عن الناصرة وعن البحث والدراسة والفيلم الذي حضر للجنة اليونيسكو الإسرائيلية لإقناعها أن الناصرة يجب أن تكون مدينة تراث عالمي لأنها تستحق ذلك برأيه، وعدد الأسباب التي تجعل الناصرة هامة وتستحق أن تكون مدينة تراث، ثم شرح أحوال البلدة القديمة بأنها مكونة من جزئين تحت الأرض وفوق الأرض وعثر في مغارة القفزة على جماجم من 80-100 ألف سنة ق. م.، ثم تحدث بالتفصيل عن كل المباني الهامة في الناصرة مثل: البازيليكا وبيت العذراء والحمام القديم والفسيفساء داخل الكنيسة وتيجان العمدان في منطقة الفرنسيسكان وكنيسة بيت الكنيس وكنيسة البشارة للروم الأرثوذكس ومقامات شهاب الدين وعامر الدين وعن الحفريات الموجودة من العهد البيزنطي والصليبي والمملوكي والعثماني وأن أغلب الحفريات وجدت معالم من فترة المماليك. ثم تحدث عن الناصرة القديمة العثمانية مثل السرايا والجامع الأبيض وخان الباشا وكنيسة البلاطة “تعتبر من عهد الباروق” وراهبات الناصرة والسلزيان والمسكوبية وراهبات الكرمليت ثم شرح عن المباني الخاصة وأسطح القرميد. وكان هذا الشرح مصاحَبًا بصور جميلة فاجأت المعماريين الذين لم يعرفوا هذه التفاصيل وهذه الملامح عن البلدة القديمة، وبعد أن أنهى الباحث شريف كان نقاش مع المهندس بشير عبد الرازق والباحث شريف عن الوضع في الناصرة وإمكانية النهوض بهذا البلد بعد هذه السنوات الطويلة من الركود وتراجع وضع البلدة ونزوح أهلها والإهمال فيها. وفي اختتام اليوم شكرت الجمعية شركة الطبعوني التي رعت هذا اليوم الدراسي.

جمهور2