د. محمود يزبك: حيفا والناصرة نموذجين متناقضين

أشار الدكتور يزبك في كلمته إلى دور الناصرة كمركز ديني مهم لدى الغرب المسيحي في بقاء المدينة وأهلها وتوصية بن غريون بعدم المسّ بها وبكنائسها، وبقاء هذه المدينة أدى إلى بقاء القرى المحيطة بأغلبيتها بل أكثر من ذلك حافظت هذه المدينة على بقاء العديد من النازحين عن قراهم في الوطن وذلك باستيعاب الأديرة لآلاف المشرّدين من منازلهم من معلول والمجيدل وصفورية وعيلوط التي عاد أهلها إليها بفضل بقاء بيوتها نتيجة لنزوح لاجئين من قرى أخرى إليها.

وأشاد د. محمود يزبك بموقف رئيس بلدية الناصرة آنذاك يوسف علي الفاهوم في المحافظة على الناصرة وأهلها. أما عن حيفا التي نزح عنها حوالي 10% من اللاجئين من كل فلسطين، وهذه نسبة كبيرة، وان إخراج العرب من هذه المدينة كان مخططا ومدروسا وعلينا النظر بايجابية لما قام به رشيد الحاج إبراهيم احد القياديين في حيفا آنذاك من تسجيل مذكرات جاءت بالحقيقة كما عاشها ورآها هذا الرّجل، كذلك لا بدّ من الإشادة بما جمعه المؤرخ تمير غورن في كتابه( حيفا 1948) من وثائق عربية وعبرية.

كما أشار د. يزبك إلى القيادات العربية في مدينة حيفا بأنها بأغلبيتها غريبة عن المدينة، أنها مؤلفة من أصحاب رؤوس أموال جاءوا ليستثمروا أموالهم أو أنهم نجحوا في المدينة ذاتها اقتصاديًا، مثل هذه التركيبة الاجتماعية يسهل عليها ترك المدينة. التركيبة القيادية من الصف الأول غادرت المدينة أولا وهذا أدى إلى هبوط الروح المعنوية. والضغط العسكري في خطة الكماشة التي استعملت في حيفا أدت إلى تدافع الناس بالآلاف بل عشرات الآلاف باتجاه البحر مما أدى إلى غرق الكثيرين.

في محاضرة د. صالح عبد الجواد – جامعة بير زيت، أشار إلى ما كتبه المؤرخون اليهود الجدد مشيدًا بما يقومون به من جهد مقابل الركود في البحث التاريخي العربي، لقد كتب اليهود من المؤرخون الصهاينة المتطرفين حتى اللبراليين والمؤرخين الجدد أبحاثا عديدة لا نتفق معها كاملة لكنها قراءة وتسجيل للتاريخ، هذا ما لم يقم به العرب لا يوجد أي كتاب أو بحث جدي حتى الآن عما حصل سنة 1948، هنالك مقالات أو دراسات محدودة، وهذا أمر مؤسف لأننا إن جهلنا التاريخ لا ننطلق إلى النجاح إنما نبقى متنقلين من فشل إلى فشل. وتعلّم التاريخ هو الرافعة نحو تحقيق الأمنيات والآمال. وتحدث د. عبد الجواد مطولا عن التطهير العرقي وهو ليس بالضرورة جسديًا بل قد يكون ثقافيًا أو تطهير المكان وهذا ما حدث هنا بخلاف ما حدث في التاريخ المعاصر في أماكن أخرى من هذا العالم.

وأشار المحاضر إلى الجهل والتفكك اللذين كانا مسيطرين على شعبنا، فمن جهة كنا نجهل ما يحصل في الطرف الآخر ولا يهمنا أن نعرف أن مؤسسات الدولة العبرية قائمة ويبقى تحديد ارض لهذه المؤسسات، ومن جهة أخرى لم تكن لدينا قيادة تمسك بزمام الأمور في كل مكان، كانت القيادات المحلية تعيش بمعزل عن القيادة العليا وحتى بمعزل عن بعضها البعض. وقال د. عبد الجواد إن شعبنا تعلم الدرس ليس في حرب 1967 فقط بل قبل ذلك في العام 1948 حيث بقيت قرى كثيرة صامدة وفي 1956 حين ارتكبت مجزرة كفر قاسم حيث لم يخرج من بيته فلسطيني واحد رغم ضخامة هذه المجزرة التي تفوق العديد من المجازر التي ارتكبت سنة 1948.

وكانت مداخلة المرشد فوزي ناصر حول أماكن وأسباب النزوح فان 65% من القرى المهجّرة موجودة في المناطق التي خصصت لقيام دولة اليهود حسب قرار التقسيم لسنة 1947، وهذا يدل على أن التهجير كان مخططًا ومرسومًا ومقررًا مسبقًا، إذ كان التوقع الصهيوني أن تقوم دولة يهودية حسب خريطة التقسيم. وهنا لا بدً من الإشارة إلى جملة قالها بن غريون في تموز48 ” إننا ننفذ قرار هيئة الأمم”. أما من حيث الأسباب فإننا وحسب الوثائق العسكرية الصهيونية نفسها نستطيع تسجيل النسب التالية:

تقريبًا 21% من القرى كان سبب نزوحها الخوف أو سقوط قرى مجاورة.

49% نتيجة لعملية عسكرية

12% الطرد عمدا بعد الاحتلال

4% نتيجة للإشاعات والدعايات الصهيونية

1% هجرة بمحض الإرادة (4 قرى فقط)

13% ( لم يذكر سبب) – كتب في الأرشيفات – ( غير معروف)!

من هذه القائمة نستنتج انه على الأقل 86% من القرى المهجرة كان السبب قتال أو مجزرة أو عنف أو تخويف، فكيف يمكن القول أن العرب نزحوا عن بيوتهم أو هجروا قراهم؟!.