جُعلَ برنامج اليوم الدراسي في خمس جلساتٍ تحدّث خلالها باحثون أكاديميّون اخصائيّون هُم: فوزي ناصر، د. مصطفى كبها، سامي أبو شحادة، د. جوني منصور.

استقطبَ اليومُ الدّراسيُّ مجموعةً كبيرةً من مرشدي الرّحلاتِ، معلّمي موضوع التاريخ و معرفة البلاد في مختلِفِ المدارس والمؤسّسات التّعليميّة، والمهتمّينَ من أعضاء الجمعيّةِ وجمهورِ النّاس، وقد ساهموا بدورهم في إغناء الجلسات حوارًا ونقاشًا.

في افتتاحيّة اليوم الدّراسيّ تحدّثت مديرة الجمعيّة د. روضة عطالله مرحّبةً بالحضورِ، مشيرةً إلى أهميّةِ مشاركتهم وتواصلهم مع جمعيّةِ الثّقافةِ العربيّةِ مشروعًا ثقافيًّا يسعى لبلورةِ معالم حالةٍ ثقافيّةٍ عربيّةٍ ناضجةٍ، نشطةٍ وحيويّةٍ وتعميم تلك الحالة.

أطلعت د. عطالله الحضورَ على أهداف الجمعيّةِ، رؤيتها ورؤاها، واستعرضت معهم بالوثائق والصّورِ مجموعةً كبيرةً من المشاريع والنّشاطاتِ الثّقافيّة التّربويّة والأكاديميّةِ الّتي أقامتها ورعتها الجمعيّةُ من أيّام دراسيّة، مؤتمرات، ورش عمل، مخيّمات صيفيّة، رحلات تعليميّة، محاضرات أدبيّة وسياسيّة وغير ذلك.

تلاها في الحديثِ د. مصطفى كبها، متناولاً الرّواية الشّفويّة: آليات وإشكاليّات جمعها وتوثيقها.

أشار د. كبها إلى أهميّة اعتماد الرّواية الشّفويّة مصدرًا أساسًا في عمليّةِ تدوين سير الأمم والشّعوبِ والمجتمعات وأحداثها التّاريخيّة، خصوصًا تلك الّتي تعيشُ حالاتٍ اضطّهاديّةً لحقوقها الجماعيّة والوطنيّة، لأنّ روايتها المدوّنة في غالبيّة الأحيان تكون مغيّبةً مهمّشةً هشّةً وغير قادرة على مواجهة رواية المضطّهد،ِ صاحب القوّة المتسلّط، ممّا يجعل الرّواية الشّفويّة بديلاً مهمًّا ومركزيًّا.

وعن محاولاتِ المقارنة ما بين الرّواية الاسرائيليّةِ من جهةٍ والرّواية الفلسطينيّة من جهةٍ أخرى عن الأرض والإنسان والتّاريخ والصّراع، قال كبها: ” من الظّلم المقارنة ما بين الرّوايتين المتنافستين كروايتين تبلوران مطالب شعب، فهما قد نشأتا في ظروفٍ مختلفةٍ تمامًا، رواية رعتها دولةٌ، مؤسّساتٌ أكاديميّةٌ ومعاهد أبحاثٍ وجامعات، وروايةٌ أخرى تعرّضت لنكباتٍ وهزّات ولم تصل إلى مرحلةٍ سرديّةٍ لسيرةِ شعبٍ وقضيّةٍ وطنيّةٍ وقوميّةٍ “. معتبرًا أيّ محاولةٍ لعقد مقارنةٍ ما بين الرّوايتينِ أمرًا مجحفًا بتفاصيله كلّها.

وتحدّث كبها عن كيفيّة تبدّل الأدوار ما بين الرّوايتين المتنافستين سنة 1948، فالرّواية الأولى تحوّلت من رواية شتات إلى رواية شعب ووطن، والرّواية الثّانية تحوّلت من رواية شعب تسرد على أرض الوطن إلى رواية شتات، منطلقًا من تلك النّقطةِ لبيان أهم المشكلات والتّحديّات الّتي يواجهها المؤرّخ الباحث في تدوينِ تاريخِ شعبٍ مشرذمٍ مشتّتٍ مستهدفٍ في ظلّ غياب المؤسّسةِ الرّاعيةِ وعدم استقرار مجتمعاتِ ذلك الشّعب، والمعضلات الّتي تواجه عمليّة تدوين الرّواية الشّفويّة.

ومن أبرز تلك المشكلات والتّحدّيات:

– الافتقاد إلى منهجيّةِ جمعٍ، تدوينٍ ونقدٍ أكاديميّةٍ واضحةٍ ومحدّدة.

– صحوة المؤرّخ العربي الفلسطيني المتأخّرة على أهميّة الرّواية الشّفويّة.

– الخلطُ ما بين الرّواية التّاريخيّة والرّواية الأدبيّةِ، واعتماد الرّواية الأدبيّة من قبل بعض المؤرّخينَ مصدرًا موثوقًا لكتابة التّاريخ.

– شُحّ مصادر المعلومات المدوّنةِ المتّصفة بالدّقّة والمصداقيّة والمعتمدة على منهجيّة تدوينيّة أكاديميّة نقديّة.

– ضياع الإرشيف الفلسطيني وتبعثره لنقله المستمرّ من موضعٍ إلى آخر وعدم معرفة مكانه بالتّحديد حتّى اللّحظة.

– عشوائيّة الكتابة وفوضى التّأليفِ من قبل أناسٍ غير مختّصينَ يكتبون بفطرتهم ودونما التزامٍ بقواعد وأسس تدوينيّة ونقديّة للتّاريخ.

– الاعتماد في كتابة الرّواية الفلسطينيّة على ما هو موجود في المصادر المكتوبة واجترار ما فيها وعدم اللّجوء إلى المعاينة.

– تناقص أعداد الرّواة المستمرّ وبشكلٍ كبيرٍ مع تقدّم الزّمن.

– الحساسيّات في التّراث والتّاريخ. ( عدم مقدرة المؤرخ على ذكر أسماء سماسرة أرض وعملاء مثلاً).

– الانبهار بما يتوفّر في الرّواية التّاريخيّة الصّهيونيّة إلى درجة التّقليد الأعمى.

– الأسطرة في تدوين التّاريخ والاعتماد على مفهوم البطل والبطولة، ممّا يقلل من مصداقيّة عمليّة التّأريخ.

كما وتطرّق كبها في حديثهِ إلى معايير وآليّات تدوين الرّواية الشّفويّة، فتحدّث عن مواصفات النّاقل الجامع ومؤهّلاته، مشيرًا إلى وجوب اعتماد الدّقّة والإتقان نهجًا في محاولتنا صياغة ذاكرةٍ جمعيّةٍ وتراثٍ جمعيٍّ لشعب. وتحدّث عن أهميّة اتّخاذ ” التّصليبِ ” آلية عملٍ تجعل من الرّوايةِ التّاريخيّة المدوّنةِ أكثر مصداقيّةً وتماسكًا ودقَّةً، لذا وجب على الباحث أن يقارن ما بين الرّواية الشّفويّة الّتي يحصل عليها من أيّ مصدرٍ كان مع رواياتٍ شفويّةٍ أخرى ومع ما هو متوفّرٌ في الإرشيفات ومصادر المعلومات والوثائق المختلفة، ليقف على مواطن الصّواب والخطأ في الرّواية فيدعّمها ويصلّبها بمعلوماتٍ يستقيها من غير مصدر.

ومن آليّات العمل أيضًا ” غربلة الرّوايات الشّفويّة ” وتصنيفها وفقًا لمعايير محدّدة تتوفّر لدى المؤرّخ نفسه، والابتعاد عن العشوائيّة في انتقاءِ الرّوايات عند الشّروع في عمليّة التّدوين.

وختم كبها حديثه داعيًا الجمهور إلى تحمّله قسطًا من المسؤوليّةِ ومساهمته في صياغة ذاكرة شعبه الجماعيّة بجمعه كلّ ما يتسنّى له جمعه وتسجيله من رواياتٍ شفويّةٍ لأناسٍ قادرين على الإدلاء بما هو مفيدٌ ومهمّ، مؤكّدًا على أنّ الأهميّة تكمن في جمع الرّوايات الشّفويّة، ومن ثمّ تأتي أهميّة كتابتها ونقدها.

وفي الجلسة الموسومة بعنوان ” التّاريخ الشّفويّ كأحد مصادر كتابة التّاريخ – يافا كمركز ثقافيّ عربيّ وعلاقته بمراكز أخرى كالقاهرة وبيروت “، تحدّث الأستاذ سامي أبو شحادة عن مدينة يافا في محاور خمسة: المحور الثّقافيّ، المحور الاقتصاديّ، المحور الاجتماعيّ، المحور السّياسيّ، المحور الدّيموغرافيّ.

أطلع أبو شحادة المشاركين بدايةً على معطيات وآليّات عمليّة جمع وتدوين الرّوايات الشّفويّة المتعلّقة بمدينة يافا، خصوصًا فيما يتعلّق بالنّكبة عام 1948 وحملات التّشريد الّتي لحقت بأهل يافا، كاشفًا عن بعض التّحديات والمشكلات الّتي تواجهه كجامع ومؤرّخ، منها أنّ الرّواة ممّن عاصروا تلك الحقبة الزّمنيّة يخشون الادلاء بما لديهم من معلوماتٍ اعتقادًا منهم أنّ مجرّد الحديث عن النّكبة هو خوضٌ في ميدان السّياسة ويجلب المتاعب ويجعل الشّخص ملاحقًا، وكأنّ فترة الحكم العسكريّ لا تزال تسكن عقولهم وتسيطر عليها بكلّ تفاصيلها. ومنها أنّ بعض النّاس ينفرون من الحديث عن تلك الحقبة الزّمنيّة لحساسيّة تلك الفترة نفسيًّا لدى النّاس، فبعضهم يرى أنّه مقصّرٌ ومسؤولٌ عمّا حدث، والحديث عن تلك الفترة يؤجّج لديه الاحساس بالذّنب ومرارة الهزيمة.

وأشار أبو شحادة إلى مدى التّفاوت والاختلاف ما بين ذاكرة قطاع نساء المجتمع اليافاويّ وذاكرة قطاع الرّجال من حيث المعلومات المختزنة في ذاكرة كلّ من القطاعين، مبينًا أنّ ذاكرة الرّجال ممّن أخذت عنهم شهاداتهم ورواياتهم اهتمّت أكثر بالجوانب السّياسيّة والاقتصاديّة ممّا هو الأمر لدى النّساء، أمّا النّساء فالذّاكرة لديهنّ قد برزت فيها الجوانب الاجتماعيّة أكثر ممّا هو لدى الرّجال. حتّى أنّ عمليّة التّحقيب الزّمني عند النّساء تتعلّق بمناسباتٍ اجتماعيّة أمّا عند الرّجال فتتعلّق بأحداثٍ سياسيّةٍ.

وبيّن شحادة كيف أنّ نوعيّة الذّاكرة وما يصدر عنها من روايات تتأثّر كثيرًا بالبعدين الاجتماعيّ والاقتصاديّ، فالرّواية الّتي تأخذ عن شخصٍ انتمى لطبقةٍ أرستوقراطيّةٍ نخبويّةٍ مثقّفة تختلف كثيرًا عن روايةٍ تأخذ من فلاّحٍ بسيطٍ كادحٍ فقير، ففي الأولى نجد البعدين الثّقافي والسّياسي حاضرين بقوّة، أمّا في الثّانية فنجد الأرض والزّراعة والفقر. كاشفًا للحضورِ عن أنّ الرّوايات الّتي أخذها عمّن تبقّى من سكّان يافا وهم في غالبيّتهم ينتمون إلى مجتمعات الرّيف اختلفت كثيرًا في ملامحها ومعطياتها عن تلك الرّوايات الّتي أخذها عن أناسٍ هجّروا التقى بهم في عمّان انتموا إلى الطّبقة الارستوقراطيّة المثقّفة في يافا عام 1948.

دعا أبو شحادة إلى إقامة مشروع بناءٍ لصورة مدينة يافا كأهمّ مدينة ديموغرافيّة في عهد الانتداب ومركزٍ ثقافيٍّ عربيٍّ مهمّ جدًّا له علاقاته المهمّة مع مراكز ثقافيّة عربيّة كالقاهرة وبيروت. خصوصًا وأنّ الحياة الثقافيّة في فلسطين عمومًا، وفي يافا خصوصًا لم يتمّ تناولها من قبل الباحثين والمؤرّخين جدّيًّا إلاّ فيما ندر. مؤكّدًا على ضرورَةِ استحضارِ صورة مجتمع المدينة الفلسطينيّة وبيئتها ما قبل النّكبةِ بكلّ ما فيهما من تفاصيلٍ ومعطياتٍ وأحداث تاريخيّة وأبعاد اقتصاديّة حتّى نتمكّن من استيعاب مفهوم النّكبَةِ، وعدم الاكتفاء بالنّكبةِ كحدثٍ وتاريخٍ، إنّما الالتفاتُ كذلك دراسةً وتحليلاً وتدوينًا ونقدًا إلى ما كان موجودًا قبل النّكبة.

ومن أهمّ المعلومات الّتي قدّمها أبو شحادة في محاضرته عن مجتمع يافا وبيئة المدينة:

1. بلغ تعداد سكّان مدينة يافا وضواحيها عشيّة النّكبة 120 ألفًا تقريبًا، 80 ألفًا منهم سكنوا يافا المدينة، و 40 ألفًا سكنوا القرى المحيطة بالمدينة.

2. دخلت السينما إلى يافا في سنوات العشرين من القرن الماضي، وبلغ عدد دور العرض فيها عشيّة النّكبة عشر دور، حوت كلّ واحدةٍ منها ألف مقعدٍ تقريبًا، وعرضت في الغالب الأفلام المصريّة. وكانت السّينما مفتوحة أمام النّساء كما يظهر في الرّوايات الشّفويّة، ومثل هذه الرّوايات ينطبق على أربعينيّات القرن الماضي، أمّا في ثلاثينيّاته فقد كان المجتمع العربيّ اليافاويّ يبدي نوعًا من التّحفّظ تجاه دخول المرأة إلى السينما.

3. صدرت في يافا ما بين 1900 – 1950 عشرات الصّحف والمجلاّت، أهمّها صحيفتا الدّفاع وفلسطين.

4. جزء كبير من سكّان يافا كانوا من الأجانب ومن مختلف الجنسيّات، وقد تواجدوا فيها كمقيمين دائمين، وبالتّحديد من الجنسيتين الألمانيّة والبريطانيّة.

5. انتشرت في يافا عشرات النّوادي التّابعة لمختلف القطاعات الاجتماعيّة والمؤسّسات والهيئات، وقد وفّرت تلك النّوادي حركةً ثقافيّةً وتربويّةً نشطةً جدًّا استقطبت كبار المفكّرين والأدباء والشّعراء من العالم العربي، وقد تنافست تلك النّوادي فيما بينها على تقديم الأفضل للجمهور. ومن أهمّ تلك النّوادي النّادي الأرثوذوكسي والنّادي الإسلامي.

6. استضافت يافا علماء وأدباء كبار ألقوا في النّاس محاضراتٍ كانت تستقطب مئات، بل آلاف النّاس، كالمازني وطه حسين وميخائيل نعيمة وغيرهم.

7. نشط المسرح في يافا كثيرًا، وقد قصدت يافا فرق مسرحيّة متعدّدة من مختلف أنحاء الوطن العربيّ، فنجد مثلاً اعلانات لمشاهدة عروض تقيمها فرقة عادل قصّار في يافا.

8. استضافت يافا عمالقة الطّرب، أمثال عبد الوهّاب وأم كلثوم وفريد الأطرش.

9. أنشأ البريطانيّون في يافا إذاعة اسمها ” الشّرق الأدنى “، وذلك بهدف تعميم مواقفها السّياسيّة والعسكريّة ونشرها بين النّاس، وقد خصّصوا لها ميزانيّةً هائلة، تمّ بواسطتها استجلاب العديد من المطربين والشّعراء والأدباء والمقرئين إلى يافا، وأقيمت نشاطات ثقافيّة كثيرة، وذلك حتّى تلقى الإذاعة الرّضى والانتشار بين النّاس. وكان من نتائج عمل الإذاعة ونجاحها أن سكن محمّد عبد المطلب في يافا مدّةً من الزّمان.

10. جمعت يافا ببيروت والقاهرة وعمّان ومناطق أخرى من العالم العربي علاقات ثقافيّة واقتصاديّة وطيدة، فكان تنقّل النّاس ما بين مدينتي يافا وبيروت عمّان مثلاً أمرًا طبيعيًّا وعاديًّا في حياتهم، إذا كان مفهوم الجغرافيا والحدود مختلفٌ تمامًا ما قبل سنة 1948 عمّا هو بعدها.

لقد ساهمت السّينما وساهم المسرح والوفود الأجنبيّة في خلق تصوّرٍ لدى سكّان يافا عن العالم خارج يافا، كما أنّ شبكة المواصلات وخطوط النّقل الدّائمة والحيويّة الّتي ربطت يافا بمدن كعمّان وبيروت جعلت من مسألة التّنقّل من وإلى يافا مسألةً سهلةً وغير معقّدة.

كان المقتدرون ماديًّا يبعثون بأبنائهم للدراسة في معاهد وكليّات وجامعات لبنان والقاهرة، وكان هؤلاء يتأثّرون بمجتمعات وبيئات دراستهم وينقلون متى عادوا إلى وطنهم ملامحها وسماتها المركزيّة، فنشهد مثلاً كيف أنّ التّيّار القوميّ العربيّ الّذي نشط في بيروت قد أثّر إلى حدٍّ بعيد بمثقّفي يافا وقادتها.

ومن ملامح التّبادل الثّقافي البارزة ما بين يافا من جهة وبيروت والقاهرة من جهة أخرى أن كان مدير مدرسة يافا الأرثوذوكسيّة في العشرينيّات من القرن الماضي بيروتيًّا، أمّا المدرسة العامريّة فقد كان مديرها في الحقبة نفسها قاهريًّا.

11. كان العالم العربيّ ما قبل عام 1948 مفتوحًا أمام التّاجر اليافاويّ إضافةً إلى العالم الغربيّ، وكان التّبادل الاقتصاديّ ما بين يافا ومراكز العالم الاقتصاديّة العربيّة والعالميّة نشطًا جدًّا، فتفيدنا المصادر مثلاً بوجود شارعين كاملين في يافا قد بناهما تاجران لبنانيان بهدف الاتّجارِ والاستثمار، ونجد أنّ محلاّتٍ كثيرة في يافا كان يملكها تجّارٌ ومستثمرونَ مصريّون.

12. كانت يافا ما قبل النّكبة تنتج وتصدّرُ كل عام ما يقارب الـ 4500 مليون صندوق برتقال. ولنا أن نتخيّل حجم التّشغيل والحراك الاقتصادي الّذي احتاجه هذا القطاع وحده في تلك الحقبة، من عمّالٍ وآلاتٍ وورش عملٍ وزوارق بحريّة وحساباتٍ، لنستنتج أنّ الحراك الاقتصادي في تلك الحقبة كان نشطًا بصورةٍ عظيمةٍ.

أمّا الجلسة الثّالثة، فقد تحدّث فيها د. جوني منصور عن مدينة ” حيفا ” متناولاً كلّ من الأبعاد الجغرافي، الدّيموغرافي، الاجتماعي، الاقتصادي، الثّقافيّ والسّياسيّ، عارضًا صورًا ووثائق تظهر تلك الأبعاد واقعًا حيًّا وملموسًا.

أمّا عن البعد الدّيموغرافي وتأثير وفود المهاجرين إلى مدينة حيفا على هذا البعد، فقد تتبّع د. منصور عمليّات التّحوّل الدّيموغرافيّة الّتي طرأت على حيفا ما بين الأعوام 1900 – 1948، معتبرًا أنّ عمر مدينة حيفا الفعليّ القويّ خلال القرنين المنصرمين كان عند النكبة اقل من 45 عامًا ابتداءً من سنة 1905 حيث أنشأت السّلطات العثمانيّة سكّة حديد تمتدّ من درعا شمالاً وحتّى بئر السّبع جنوبًا مرورًا بحيفا كمحطّةٍ مركزيّة.

كان تعداد سكّان حيفا حتّى عام 1900 لا يتجاوز الـ 8000 آلاف نسمة، ثمّ بدأت تشهد المدينة بعد ذلك وفود مهاجرين إليها من أصقاعٍ وبقاعٍ مختلفة، فجاء إليها مع بدايات القرن العشرين الحورانيّون جالبين معهم الطّابع المعماريّ الحجريّ الّذين اشتهروا به، إضافةً إلى هجرات بطيئة جدًّا شهدتها المدينة من قرى الجليل وقرى المثلّث الشّمالي. كما ووفدت إلى المدينة جاليّات أجنبيّة وتحديدًا من البريطانيين والفرنسيين، إضافةً إلى قدوم مهاجرين من ألمانيا في إطار مشروعٍ استيطانيّ.

كما ووفدت إلى مدينة حيفا مع التّحوّلات الاقتصاديّة النّوعيّة الّتي شهدتها المدينة مع إنشاء مشروع سكّة الحديد في العهد العثماني، ثمّ إنشاء مشاريع أخرى مهمّة في ظلّ الانتداب، وفدت إليها عائلات عربيّة من بلاد الشّام وعائلات تركيّة كذلك، استثمرت وأقامت المشاريع الاقتصاديّة ممّا ساهم في تطوير المدينة اقتصاديًا وثقافيًّا.

بلغ تعداد سكّان مدينة حيفا عشيّة النّكبة سنة 1948 الـ 70 ألفَ مواطنٍ، تمّ اقتلاعهم من بلادهم وتهجيرهم ومصادرة أملاكهم ولم يتبقّى منهم سوى 2700 نسمة تمّ حصرهم في حي وادي النّساس؛ هم في غالبيّتهم العظمى من الفقراء المعدمين المنتمين إلى الطّبقة البسيطة الكادحةِ، أمّا المثقّفون والمتعلّمونَ والنّخبة القياديّة والاقتصاديّة فقد تمّ ترحيلها ولم يبق ممّن ينتمون إليها سوى أفراد.

أمّا عن البعد الاقتصاديّ في مدينة حيفا ما قبل عام 1948، فقد بيّن د. منصور العوامل الّتي أدّت إلى تطوّر الوضع الاقتصادي في المدينة نحو الأفضل، وبوتيرةٍ زمنيّةٍ متسارعةٍ، وماهيّة تأثير هذا البعد على الأوضاع الثّقافيّة والحركة العمرانيّة في المدينة، من تلك العوامل:

1. إنشاء مشروع السّكّة الحديديّة في العهد العثماني، والّذي هدف إلى ربط دمشق بالحجاز، مع وجود الحاجة إلى محطّة بحريّة، فاختيرت حيفا لذلك.

2. إقامة مشاريع استثماريّة على يد المهاجرين الألمان الاستيطانيين في المدينة.

3. إنشاء الإنجليز للميناء في المدينة كنقطةِ سيطرةٍ ومحطّة إمدادٍ لجيوشهم في الشّرق الأوسط.

4. مدّ خطّ النّفط ( كركوك – حيفا ) ما بين العراق وفلسطين.

5. استثمارات العائلات العربيّة والتّركيّة وإقامتها للمشاريع الاقتصاديّة في المدينة.

6. إقامة مراكز صناعيّة ثقيلة من قبل مستثمرين يهود.

إقامة كلّ تلك المشاريع في المدينة أدّى إلى توفير فرصِ عملٍ كثيرةٍ لسكّان المدينة والمواطنين الفلسطينيين من قرى الجليل والمثلّث وإيجاد حركةٍ اقتصاديّةٍ وتجاريّةٍ نشطةٍ جدًّا، ومع مرور الوقت وجد العامل العربيّ الفلسطينيّ الّذي يتنقّل يوميًّا ما بين قريته ومدينة حيفا أنّ استقراره حيث مكان عمله في المدينة أفضل، فكان يأتي بعائلته ويستقرّ في المدينة، ممّا أدّى إلى تزايد تعداد سكّان المدينة أكثر فأكثر، مع استمرار وفود المستثمرين العرب والأجانب وامتدادها نتيجةً لذلك في كلّ الاتّجاهات.

كان امتداد حيفا العربيّة يتمّ بشكلٍ مستطيل فسيطرت مع مرور الوقت على القطاع السّاحلي مع السّفوح الجبليّة البسيطة غير المرتفعة، متجاوزةً مع امتدادها غربًا الحيّ الألماني الّذي كان من الصّعب تجاوزه بدايةً، وامتدّت باتّجاه الشّرقِ نحو وادي الصّليب والحلّيصة وسكّة الحديد.

أمّا الاستيطان اليهودي فقد تمركز في القمم وفي قلب الكرمل، وهذا سهّل عمليّة انقضاض منظّمه الهاغاناة على المدينة وتشريد سكّانها.

وتحدّث د. منصور عن العائلات العربيّة الغنيّة الاستثماريّة والّتي كانت سببًا مركزيًّا في إنعاش المدينة وتطويرها اقتصاديًّا وعمرانيًّا.

ومن تلك العائلات عائلة الخيّاط الّتي كانت تملك شركة باصات نافست شركة باصات ” אגד ” الّتي كانت تعمل على نقل اليهود من وإلى وداخل الأحياء اليهوديّة. والّتي كانت تملك مبانٍ كثيرةً بالقرب من الميناء أجّرتها لسلطة الانتدابِ لتكون مقرًّا لمكاتبها وموظّفيها.

وهنالك أيضًا عائلة البوطاجي الّتي اهتمّ أبناؤها بتجارة الأدوات الكهربائيّة، وكانت لهم فروع في نابلس والقدس وعمّان وبيروت.

وقد أشار د. منصور إلى العلاقات ما بين اليهود والعرب في المدينة، مبيّنًا أنّه لم تكن تجمع ما بين القطاعين أيّ علاقات لا ما قبل عام 1948 ولا بعده إلاّ بهدفِ الاتّجارِ وخدمة المصالح الاقتصاديّة، مستشهدًا بعائلة قرمان الّتي كانت شريكةً في شركة ” סולל בונה ” في بعض المحاجر والكسّارات.

أمّا عن البعد الثّقافيّ والفنّيّ في مدينة حيفا، فقد بيّن د. منصور أهميّة موقع حيفا الجغرافي وطابعها الاجتماعيّ المتعدّد في إغناء حياتها الثّقافيّة والفنية، إذ كانت تربط ما بين الشّرق والغرب، ما بين بيروت والقاهرة، وما بين السّاحل الفلسطينيّ والدّاخل الفلسطينيّ، إضافةً إلى علاقتها بيافا وعمّان، وذلك جعل منها مسرح تنقّلاتٍ بشريّةٍ من وإلى أرجاء المنطقة المختلفة. وهي مدينةٌ سكّانها متنوّعو الأصول والعرقيّات والإثنيّات، وكلّ ذلك يغني بيئة المدينة ثقافيًّا وتربويًّا.

ولنا أن نقرأ سمات النّشاط الثّقافيُّ في مدينة حيفا واقعًا ملموسًا من خلال المدارس، النّوادي، المؤسّسات، الفرق الرّياضيّة، المسرح، السّينما، الحفلات، المحاضرات، الفرق الكشفيّة، النّشاطات الثّقافيّة والفنّيّة:

1. استقبلت حيفا كبار المطربين من مختلف أنحاء الوطن العربي، فقد قدمت إليها أم كلثوم وغنّت في متنزّه الانشراح، وهناك رواية غير متأكّد من صحّتها تفيد بأنّها قد حصلت على لقت ( كوكب الشّرق ) في مدينة حيفا، كما وأنّ الفنّانة اللّبنانيّة صباح قد جاءت إلى حيفا وقدّمت فيها عروضًا غنائيّة، وكذلك كلّ من فريد الأطرش وأسمهان الأطرش.

وتفيد المصادر بأنّ بلديّة حيفا قد عملت على استقبال الفنّان عبد الوهّاب وتقديم التّحيّة له بواسطة الفرقة الكشفيّة عندما مرّ بها وهو في طريقه إلى زحلة مستقلاًّ القطار، دون أنّهُ لم يزرها يومًا.

2. كانت للألمان الهيكيليين في مدينة حيفا مؤسّسات ونوادي وجمعيّات وأملاك خاصّة مستقلّة، تقيم فيها النّشاطات الثّقافيّة والتّربويّة وتقدّم الخدمات التّعليميّة.

3. استقبلت مدينة حيفا العديد من الشّعراء العرب الكبار، من أهمّهم الشّاعر العراقيّ محمّد مهدي الجواهري.

4. كان في مدينة حيفا مسرح عربيّ فلسطينيّ يشرف عليه ويقوم بتدريب المؤدّين وكذلك التّمثيل عميد المسرح الفلسطينيّ ( إسكندر أيوب بدران )، وذلك بالرّغم من أنّ المسرح لم يكن مجال اختصاصه وعمله.

5. كان الفنّان يوسف وهبي كثيرًا ما يأتي إلى مدينة حيفا برفقة فرقته المسرحيّة ” رمسيس “، وكان يحصل من مسرح اسكندر بدران على مؤدّين يؤدّون أدوارًا ثانويّةً نيابةً عن أعضاء فرقته الّذين لم يكن يتسنّى لهم القدوم معه.

6. أقيمت في حيفا نوادٍ عديدة رياضيّة وطائفيّة نشطت في العديد من السّياقات الثّقافيّة والسّياسيّة والتّربويّة. من أهمّ النّوادي الرّياضيّة: نادي الشّباب العرب، النّادي الأرثوذوكسي، النّادي الإسلامي، ونادي التّيرسانا. وقد كانت تلك النّوادي تشترك بمباريات ومسابقات مع الجيش البريطاني ومع فرق من القاهرة وبيروت.

أمّا النّوادي الطّائفيّة، فقد كانت لكلّ طائفة نادي خاصّ.

من الأمثلة على نشاطات النّوادي المركزيّة في حيفا تنظيم النّادي الأرثوذوكسي سنة 1944 يوم إحياء ألفيّة أبي العلاء المعّري. وقد أرغموا البلديّة على تسمية أحد شوارع المدينة باسم المعّري، وهو يحمل حتّى الآن الاسم نفسه.

7. انتشرت في حيفا الجمعيّات الخيريّة المسجّلة وفق أنظمة التّسجيل العثمانيّة، وكانت هذه الجمعيّات توفّر الخدمات المتنوّعة وبمقدّمتها دروس مساعدة للأولاد، إضافةً إلى المساعداتِ الاقتصاديّة وعقد المحاضرات.

8. كان للفنّان سليم الحلو دارًا لتعليم الموسيقى في شارع ألنبي بالشّراكة مع الفنّان حليم الرّومي.

9. كانت في حيفا إذاعة اسمها ” الشّرق الأدنى ” وقد ساهمت في تطويرها ودعمها عائلة صهيون المعروفة بوطنيّتها ومواقفها القوميّة المشرّفة.

10. كانت في حيفا مدارس عديدة لعبت دورًا ثقافيًّا مهمًّا، يمكن تصنيفها كالآتي:

أ‌- مدارس أهليّة تبشيريّة تعلّم بلغتها.

ب‌- مدارس كنسيّة مسيحيّة محلّيّة تدرّس باللّغة العربيّة.

ت‌- المدارس اليهوديّة.

لم تقم المدارس بدمج العرب مع اليهود، إلاّ مدرسة واحدة وهي مدرسة الفرير، إذ كان 35% من طلاّبها يهودًا، وكانت لغات التّعليم فيها العربيّة والفرنسيّة والألمانيّة.

وكانت تلك المدارس تمنح خرّجيها شهادة المِترِكْ، الّتي تمهّد الطّريق أمام الحاصل عليها للالتحاقِ بالجامعة الأمريكيّة ببيروت والقاهرة والكلّيّة العربيّة في القدس.

11. كان في حيفا أربع دور سينما بملكيّة يهوديّة، نافستها عائلة الصّيقلي، وكانت تعرض أفلامًا مصريّةً بالعموم.

تلخيص اليوم الدراسي – قدمه الأستاذ فوزي ناصر

في ظل ظروف مركبة قوامها غياب الرواية العربية المدوّنة والأرشيف والكينونة السياسية الثقافية الاجتماعية المستقلة في ظل التمزّق الذي شهده مجتمعنا وفي ظل السياسة الرسمية التي تعمل على تعميق الغربة بين الوطن وأهله في مناهج التدريس وتغيير التسميات.

في مثل هذه الظروف نرى أن الرواية الشفوية المدروسة والمتطابقة مع الحقيقة التاريخيّة تعتبر بديلًا للتاريخ المدوّن والمؤرشف، ومن الضروري إن نلتقي دائما لنسمع من الباحثين في هذا الاتجاه أمثال ضيوفنا الأعزاء – ليكون ما توصلوا إليه زادًا لنا ولأجيالنا الصاعدة التي تحرمها المدارس من معرفة تاريخها الحقيقي الصحيح.

إننا نعمل على أن نروي لطلابنا في المدارس روايتنا كما نعرفها نحن، كما نرويها نحن كي منها زادًا ومناعة، لذا فإننا بحاجة إلى أمثالكم أيها الأساتذة والمرشدون فأنكم بمعرفتكم الواسعة وانتمائكم لقضية شعبكم.

رسلنا الذين ينقلون لأجيالنا اللاحقة رواية جيل مضى ووطن باقٍ في قلوبنا وأذهاننا.

اليوم الدراسي بتمويل مؤسسة التعاون.