“شبط” شباط ولبط هذا العام أيضا غير أن رائحته ظلت شتوية. ولا بأس بذلك فالأرض عطشى للمطر والفلاحون يصلون للمزيد من ماء السماء. جمعية الثقافة العربية اقتنصت يوم السبت المشمس وأخرجت مجموعة من الأدباء والكتاب الذين ضاقت بهم المكاتب والمنازل للقاء ممتع مع الطبيعة مدجّجين بكثير من الذخائر الشعرية. من كان يبحث عن الهواء العذري والروابي الخضراء ومذاق قصيدة جديدة فله أن ينضم لنزهة الكتاب.

الناصرة كانت نقطة البداية. استل المرشد فوزي ناصر المايكرفون من منظمة الجولة د. روضة عطا الله، مديرة جمعية الثقافة العربية وأخذ يروي رواية المكان والزمان باديا بالنكبة.

“يخطىء من يظن بأن التهجير بدأ في العام 48، فقد رحّلوا قرية المطلة الفلسطينية عام 1899 ولا يزال بعض سكانها يقيمون في بيت جن والدالية حتى اليوم”، قال ناصر وما لبث أن استعاد قصة بيع مرج إبن عامر ونوه إلى أن عائلة سرسك لم تكن لبنانية بل يونانية مقيمة في بيروت، والنتيجة ظلت واحدة.

عبرت الحافلة مفرق الخلادية (تسومت هموفيل” في لغة الدولة) حيث يلتقي وادي صفورية مع جدول الخلادية ويكونان وادي العمد الذي يصب في نهر المقطع في حيفا( الكيشون). في الطريق ما بعد شفاعمرو، جنوبا، لا تزال أشجار صبار ونخيل وخرائب بيوت تذكر بالمعركة الفاصلة بين أصحاب الوطن والطامعين، والتي كانت الخط الفاصل هناك بين حدود الدولتين العربية واليهودية وفق قرار التقسيم. وانضم ثلة من الكتاب للركب بعدما انتظرت في مفرق الناعمة( سومخ). وننوه مبكرا إلى أن إحياء مواقع المكان بمنحها أسمائها الحقيقية الأصلية يعكس رغبة بفضح المذبحة الثقافية المتواصلة بطمس المسميات.

لم ينس المرشد تقديم قصة تراثية -تاريخية عن البروة كما يفعل كل مرشد ناجح. “على يمينكم قرية البروة، وطن ومسقط رأس محمود درويش. هنا ساهم السكان المسلمون في اختيار أبو سليم جبران الخوري كاهنا سوية مع إخوانهم النصارى حينما شكلوا وفدا مشتركا للمطران دلالة على حياة الأخوة الحقيقية”، قال ناصر وأوضح أن ثلثي القرى الفلسطينية المهجرة كانت ضمن المساحة المخصصة للدولة اليهودية، لافتا إلى تهجير كافة أرياف قضاء صفد(77 قرية) عدا الجش وطوبا. وسبق وأكد المؤرخ أيلان بابه في كتابه الجديد” التطهير العرقي في فلسطين” الرواية التاريخية العربية بأن التهجير هو سبب الحرب وليس العكس، بمعنى أن الصهيونية شرعت بتطهير البلاد وفق مخطط وضع منذ الثلاثينات فتدخلت البلدان العربية والبقية تاريخ.

الغابسية كانت الاستراحة الأولى في الجولة. قبالة القرى المهجرة النهر والتل انتحت الحافلة في درب ترابي تنتصف المقبرة الإسلامية لنصفين فيما بدت الأضرحة مسواة بالأرض بسبب تسيب البقر لا البشر لا سمح الله، ولا جديد بذلك فإذا كانت تنتهك كرامة وحقوق الأحياء من الأغيار فما بالك بالأموات منهم حتى لو رقدوا في أرض الأجداد، مسجد أسير وكنيسة يتيمة.

كما في أقرث وبرعم استصدر أهالي الغابسية حكما من محكمة العدل الإسرائيلية في مطلع الخمسينات لإعادتهم لقريتهم الغابسية، لكنه باق حبرا على ورق حتى اليوم. في30.04.48 احتلت الهجاناة القرية وقتلت12 رجلا من بينهم داود زينة الذي رفع راية بيضاء على سطح المسجد حقنا لدماء المدنيين لكن رصاصات الفاتحين الجدد أردته قتيلا.

في الغابسية قتلوا من أجل التخويف والتهجير ولذلك نشروا ما اقترفت أياديهم، في دير ياسين التي قال العرب إن مائة من سكانها ذبحوا قالت أبواق الصهيونية أن العدد بلغ250.

وخيّر المحتلون سكان الغابسية بين الرحيل للقرى المجاورة أو التهجير لخارج البلاد، لكنهم سمحوا ببقاء عدد قليل من المسنين في منازلهم. ولاحقا منع أقاربهم من زيارتهم الا في ساعات النهار وكلما مات أحدهم هدم الاحتلال بيته إلى أن هدم المنزل الأخير في السبعينات. لم يبق سوى مسجد أسير محاط بدوائر من أسلاك شائكة تهدف منع صلاة الغابسيين والزائرين فيه لا منعا لحرية العبادة لا سمح الله، بل حفاظا على سلامتهم فالمكان “متداع”، حذرت لافتة بالعبرية.

مقابل المسجد كانت مجموعات كبيرة من الناشئة اليهودية تزرع الأغراس احتفاء بعيد الشجرة والتعرف على الوطن، وتاريخ الاستيطان من قبل 2000 سنة، وما تزال الدولة تحتفظ بجدار برلين بين هؤلاء وبين قصة الغابسية ومسجدها الأسير أو إقرث وكنيستها اليتيمة.

شجرة الخروب

حطت القافلة في حرش الكابري بجوار نبعي العسل والباشا والطاحون ضمن محطة جديدة. استهل المرشد مداخلته في ظل شجرة خروب لافتا إلى أنها من اليمن أصلا وأنها الشجرة الوحيدة في البلاد التي تزهر بالخريف وتقوم بإتلاف بعض أغصانها حماية لسائر الأغصان من الموت عطشا.واستذكر قصصا أسطورية مشوقة عن الخروب يوردها توفيق كنعان في كتابه البحثي حول التراث

وما لبث أن استعرض المرشد تفاصيل مثيرة عن المعركة الكبرى التي شهدها المكان بعدما قطع الثوار العرب طريق قافلة الهجاناة إلى مستوطنة ” يحيعام ” (بجوار قلعة جدين) وتمكن أهالي الكابري بفضل فزعة القرى المجاورة وبالذات من الكويكات من التغلب على قافلة الهجاناة وتكبيدها خسائر باهظة (47 قتيلا من بينهم قائد القافلة بن عامي فوختر الذي خلد ذكراه بإطلاق إسمه على اسم مستوطنة بن عامي شمال البلاد وشارع عكا المركزي). وبخلاف أبطال هذه الصفحة المشرقة في مسيرة النضال الفلسطيني والذين ظّلوا جنودا مجهولين في الرواية الشفهية والذاكرة الجماعية أنصفت الصهيونية جنودها القتلى في المعركة حيث احتفظت مراكبهم المدرعة وحملت لافتات معدنية شروحات مسهبة عنهم.

وبعد سحماتا وترشيحا زار الكتاب بلدة البقيعة التي تتغلب العبرية على العربية بوضوح في اللافتات المثبتة على متاجرها ومنازلها رغم كونها قرية الشعراء.وفي مضافة ” ديوان المختار” الظريفة أدار الأدباء صالون أدبهم. وروى أبو سامي صاحب المضافة تاريخ القرية والحياة الوادعة المتآخية بين سكانها اليوم.

ولفت إلى ما أثار ابتسامة المستمعين” سكن العشرات من اليهود في البقيعة قبل النكبة ولم يتقن معظمهم العبرية وأضاف “منهم أبو إبراهيم الهلالي الذي انخرط في جيش الإنقاذ لفرط تضامنه مع العرب..”

وقال الشاعر نايف سليم متوددا ” هنا في البقيعة تقع رجل الزائر إما على نبعة ماء أو على شاعر فحتى الأن أصدر57 شاعرا 220 ديوان شعر “. وحاول تفسير كثرة الشعراء بالإشارة لوجود مدرسة (مدرسة المسكوب ،روسية) في فترة مبكرة جدا فيها،1889 إضافة للطبيعة الساحرة في محيطها ولشجرة التوت في مركز القرية التي شكلت ظلالها الوارفة منبرا للشعر والزجل المتوارثين.وكان الدكتور حنا أبو حنا قد تساءل من جانبه عن سر إقبال المعروفيين على قرض الشعر تاريخيا من الكوفة إلى جبل العرب داعيا لدراسة الظاهرة التي ربما يكون “الظلم” أهم أسبابها. وتلت كوكبة من الشعراء قصائد جديدة من أبداعاتهم منها لسامي مهنا وتم تداولها بمنظار النقد قبالة موقدة مشتعلة ورشفات سخية من الشاي بطعم الزعتر ودقة “العدس”.

أبو رايق يناجي شجرة البلوط

وفي برعم نوه الشيخ إبراهيم العيسى أبو رايق(73 عاما) إلى استباحة حرمة المقبرة التي بنيت عام 1900 بعد شراء قطعة أرض بثلاث ليرات ذهبية. وعبر العيسى عن سخطه وأساه لوقوع الاعتداء وأضاف” يبدو أنهم باتوا يستكثرون علينا حتى مجرد الصلاة والموت هنا في أرض الأجداد”.

واستذكر العيسى على مسامع الزائرين أيام الطفولة والصبا في قريته المدمرة وأضاف ” في أغلب الأيام أكون هنا وحيدا مع الموتى فتجتاحني موجة من الحنين لحياتنا الوادعة في هذه البقعة المدهشة بجمالها فأصير أناجي الشجر والحجر.

وعبر أبو رايق وهو يمثل قبالة شجرة السنديان المحاطة بالقبور عن حالة الهيجان العاطفي التي انتابته بما يشبه الرثاء فقال:

“يا سنديانتنا الختيارة العتيقة

أنت شاهدة وأضبط وثيقة

ياما بظل غصونك تفيّينا

للغاصب تعي حكيلوا الحقيقة

للغاصب قومي احكيلوا

الحق لصاحبو لازم يجيلوا

مهما الأيام والسنين طولوا

الوطن إلنا ما بتخفا حقيقة”

وقد روى أبو رايق كيف حولت السلطات الإسرائيلية كفربرعم المجاورة للحدود اللبنانية لحديقة وطنية بعدما نسفت بيوتها ولم يبق منها سوى الكنيسة وعمارة أثرية رومانية، فيما حول بيت إبراهيم العيسى إلى حمامات عامة. كما نجت الكنيسة التي بنيت عام 1924 بعدما نقل الإسمنت على براميل خشبية محملة على الجمال من مدينة صور اللبنانية.

ثديا الجليل

في الطريق لبرعم سابقت الحافلة اقتراب عتمة الليل فيما واصل المرشد رواية المكان وكان توقف عند خربة رخبون بين بيت جن وحرفيش وقمتي جبل متجاورتين قال عنهما:”كان ربابنة السفن القادمة لميناء عكا من عرض البحر يرون هاتين القمتين في الجرمق اللتين عرفتا بثديي الجليل ويسترشدان بها وصولا للميناء.في الطريق من منطقة صفد نحو الشاغور تنبه المرشد للإشارة ل”مرقب البحرين” قبيل فراضية المدمرة، ومنه يمكن للزائر أن يرى بحر عكا وبحيرة طبريا. قبل بلوغ منطقة الشاغور الحد الفاصل بين الجليلين الأعلى والأسفل، روى ناصر قصة تسميات مواقع مختلفة على أسماء الأسد في بلادنا منها عين الأسد ودير الأسد وجبل حيدر وبئر السبع وهذه سيرة طويلة لا تقل عن سيرة الحية.