منذ النكبة تشتّت الفلسطينيون، فشرّد منهم من شرّد، وهجّر منهم من هجّر، وتقطعت الأوصال، على صعيد الإنسان والمكان، فأولئك الذين شرّدوا، انقطعت علاقاتهم الطبيعية بمن بقي وبما بقي.

وتعاقبت أجيال من اللاجئين بعيدًا عن الوطن، بعضها يعيش ذاكرةً وحلمًا….. وبعضها يسمع عنه، وبعضها يكاد لا يعرف عنه شيئًا… وأمّا الذين هجّروا وشرّدوا في الداخل، فقد أفاقوا كأهلهم على مشهدية جديدة، وعلى بلد ليس وطنًا، وعلى بيت ليس مسقط رأس… دولة (جديدة)، وحاكم آخر، لغة أخرى، وواقع آخر…. ومسقط الرأس منهم على مرمى حجر “لاجئ في بلده ” دونه أسلاك وحواجز وقوانين طوارئ وكتائب عسكر، وما بقي من المعالم من مساجد وكنائس، أو من أشجار الصبّار، وما بقي من رائحة التراب المروّى بعرق أصحابه اندثر شيئًافشيئًا…. ومحي شيئًا فشيئًا…. ولم تبق إلا الذاكرة يفعل فيها الزمان فعله… هي سنوات قليلة، تهاوى فيها عالم كاملٌ…. تلاشى فيها وطن.

أبحث عن عين حوض أو هوشه، إجزم أو الغابسية، السجرة أو المالحة، والمئات من أخواتها، فأجد سطرًا هنا وخبرًا هناك… أجدها في بطون الكتب الموثقة لما وقع… أعود بعد عقود لأبحث عن بيت كان لي في حيفا أو صفد، فلا أعرف الطريق التي زرعتها وردًاووعدًا… وفي كل عام أنكَب من جديد، وتمر ستون سنة، وعليّ أن أجبه من ادعي أن هذا الوطن بلا أهل، بحقيقة أنني أهله وناسه وتاريخه، وبأن حقي فيه لا تمحوه القوة والسياسات والتوازنات الدولية. حقي فيه شيء ممتد من الأزل وإلى الأبد، كترابه ومائه وهوائه.

فللذين بقوا من الفلسطينيين في الداخل، أو مشرّدين في المخيمات، أو مقيمين في المهاجر…. ولكل من يريد معرفة الحقيقة كما يراها ويرويها أهلها، نقدم هذا الدليل، هادفين إلى تعريف أجيالنا بتاريخ آبائهم وأجدادهم، وترسيخ علاقتهم بالمكان، واقفين على كل قرية بقي منها حجر، شارحين ما آلت إليه،  ومبيّنين الطريق إليها… ولا يدفعنا إلى هذا إلا الوقوف في وجه عمليات الطمس وتشويه المكان ودفن المعالم… فالناس هنا في هذا الوطن يحملون ” خريطة الطريق” تبين بالعبرية والإنكليزية أسماء كل المدن والمستوطنات والمناطر والكيبوتسات، والشوارع تزدحم بلافتات الإرشاد والتوجيه، كل ما حولك على طول الوطن وعرضه، تاريخ يهودي ولغة عبرية… تحقيق لما خطط له الفكر الصهيوني منذ نشأته، فلا عرب ولا قرى ولا أسماء ولا آثار…. وكأن ما حصل عام 1948 هو إعمارلصحراء مجدبة، أو تجفيف لمستنقعات كانت وحدها خارجة عن حدود التاريخ والعمران.

من هذه المسؤولية في المنطلق أو دأبنا على سدانة تاريخ شعبنا ووطننا، ولأننا نريد أن نعرض الحقيقة على قتامتها، قمنا بإعداد هذا المشروع المضني، الرائد، حتى لا تكون علاقة الإنسان بوطنه قضية موسمية، يوما على رزنامة التاريخ…

حتى نشرح للمقيمين وللقادمين من أنحاء العالم باللغتين العربية والإنجليزية عن معالم ما كان وما هو قائم، موضحا بخرائط تبين كيفية الوصول، والأماكن التاريخية، فهو بالإضافة إلى غايته الوطنية السامية- مرشد لكل من يرغب في التجول في أنحاء الوطن، عون للسائح في تجواله، ومرافق لطلبتنا في رحلاتهم المدرسية والأسرية… لقد آن لنا أن نحمل دليلا وخارطة، وبالعربية، تربط الحاضر بالماضي وتيسر الوصول إلى كل قرانا ومدننا العربية، لنوثق عرى علاقاتنا ونحيي اقتصادنا، لتدب الحياة في المكان، الذي كابر وصمد ونما بعكس ما خُطط له.