جمعيّة الثّقافة العربيّة – رشا حلوة

عمل في العمل الاجتماعيّ، سواء بالمجال التربويّ والاستشارة في المدارس وكذلك في العمل المؤسّساتيّ الحقوقيّ، في فلسطين وخارجها، حيث أسّس حركة “حق” التّابعة لمؤسّسة العربيّة لحقوق الإنسان. بمرحلة ما، قرر محمد بدارنة أن ينتقل للعمل بمجال يحبّه، فاختار عالم التّصوير. وكان هاجسه الأول يتمحور حول السّؤال: “هل سيصور مشاهد لا تشبه الجوهر الأساسيّ لنشاطه؟ أم سيجند كل تراكم العمل والفعاليات والمعرفة ويحمله إلى مكان جديد؟”، مكان يلعب التّصوير فيه دورًا، ويشكّل جزءًا من استمرار المسيرة الاجتماعيّة التي بدأها.

دخل محمد بدارنة عالم التّصوير من خلال تجربته مع الأطفال من غزّة، حين كان يتطوع في مستشفيات في تل أبيب أثناء مكوثهم للعلاج هناك من مرض السّرطان، وقسم كبير من الأطفال الذي صورهم بدارنة، كانوا قد رحلوا بعد معاناة مع المرض. وبعد وفاتهم، كان يكتشف بدارنة بأنّ صورهم الأخيرة في حياتهم هي التي يحملها معه في كاميرته، مما كان لهذه الحقيقة أثر كبير على إداركه بأن ما يتبقى من النّاس هو الصّور، وأنّ صور أطفال غزّة الذين رحلوا بعد معاناتهم مع المرض، والتي سلمها لأهاليهم، كانت مهمة لهم، فهي الأثر الذي بقي منهم.

• الصّورة كعامل مؤثر
كان عالم التّصوير هو المساحة التي أحبّها، واختار أنّ يُبحر فيها، وفي هذا البحر، اختار أن يسبح في عالم التّصوير الاجتماعيّ، ومن ضمن ما ساعده على هذا التّوجه، كانت القراءات والتعلم من تجارب عالم التّصوير الكلاسيكيّ، خاصة في كل ما يتعلق في تجارب استعمال الصّور في سنوات الاقتصاد الأمريكيّ في العشرينات، أو على سبيل المثال تجربة “مؤسّسة ماغنوم للتصوير” أو رؤية إنتاجات لمصورين أمثال المصور الأمريكيّ لويس هاين والمصور البرازيليّ سيباستياوسالجادو ، مما كان لها الأثر الأكبر على توجهه الفنّيّ الاجتماعيّ. يقول محمد بدارنة في حديث خاص: “كنت في صراع دائم حول السّؤال هل صوري فنّيّة أم صحافيّة؟ وهل صوري توثيقيّة؟ لكن بالنهاية، الأمر المهم بالنسبة لي هو بأني أعطي للناس الذين أصورهم فرصة أن يحملوا صورهم إلى الأمكنة التي يختارونها”، ويضيف: “من التّجارب المؤثرة التي عشتها خلال عملي بالتصوير هو أني اكتشفت منذ البدايات بأني لا أعرف الألوان، مما لهذه الحقيقة تأثير على قدرتي بتطوير إحساسي تجاه الأدوات وتجاه ما تلتقطه عدستي. جزء كبير من عملي يتمحور بالأساس حول الإجابة عن السؤال هل الصّور هي عامل مؤثر أم الصّور هي فنّ لأجل الفنّ فقط؟ وجزء من الإجابة يتجسد برغبتي لخلق مدرسة تعمل على فكرة التّصوير والتّأثير الاجتماعيّ. ولهذا السّبب أعمل كثيرًا في تدريب مجموعات حول هذا الموضوع، هذه التّدريبات التي تمنح لي الفرصة أيضًا بأن أتعلم من الآخرين وتجاربهم بالتّصوير، لأنهم يملكون رؤيا وتلتقط عدساتهم ما تراه عيونهم فقط، كما أن لي عيونًا أرى من خلالها أنا فقط، ولا من أحد يستطيع سرقة ما أراه، ولهذا أُعلم التّصوير وأتعلم بنفس الوقت من الناس”.

• القصّة المصورة
يعتبر محمد بدارنة اليوم أنّ قوته كمصور تكمن برؤيته بأنّ العالم هو ستوديو كبير، وبأنّ اللحظة التي يمكن فيها أن يُطلق على نفسه لقب فنان هي اللحظة التي يستطيع فيها– كمصور – أن يصل مع الإنسان الذي يصوره إلى طريق يمشيان فيه يدًا بيد لبناء المشهد في هذا الستوديو الكبير، يكون الإنسان المُصوَّر فيه هو البطل. يقول بدارنة: “تطورت لغتي التّصويريّة بحيث إني لا أصور صورًا لناس بلا حكاياتهم، لأني لا أستطيع سرقة صور الناس. وبنفس الوقت، أنا لا أصور الناس بشكل تمثيليّ أو إخراجيّ، لأني أعطي للقائي بهم وقتًا كافيًا للحوار والتّواصل كي أصل معهم إلى المكان الذي يكون فيه الإنسان الذي أصوره متصالحًا مع نفسه وهو سيد نفسه وهو البطل. وبالتالي أن لا أتحدث عنه من مكان بعيد عنه وعن قضاياه، إنما أن أكون، أنا المصور، جزءًا من هذه القضية”.

ويضيف بدارنة: “مشروعي الحلم هو أن يكون هنالك تشاركيّة بيني وبين الناس الذين أروي قصصهم، وليس أن أتواصل معهم من مكان متعالٍ وأحكي عن عالمهم بشكل منفصل عنهم، بالتالي هدفي هو أن يعيد المشروع إلى الناس مركزيتهم، كونهم جزءًا أساسيا منه. من الأسئلة التي أطرحها على نفسي أيضًا هي: هل أريد أن أكون مع الناس وأصنع فنًّا يعود مردوده لي شخصيًّا؟ أم أريد أن أكون فنّانًا قادرًا على تطوير آليات يدعم فيها مشاريع إنسانيّة تعود بالفائدة للمجتمع؟ وأنا اخترت الاحتمال الثاني؛ أن أعمل مشروعًا مشتركًا مع الناس”.

• ألعاب غير معترف بها
بدعم من مؤسّسة عبد المحسن القطّان، جمعيّة الثّقافة العربيّة، محترف شبابيك ومركز مساواة، يفتتح يوم الإثنين القادم الموافق، 30 آذار 2015، وفي ذكرى يوم الأرض الخالد، معرض الصّور “ألعاب غير معترف بها” لمحمد بدارنة، وذلك في حيفا وغزّة، حيث يفتتح في حيفا عند السّاعة 19:00 في المركز الثّقافيّ العربيّ وفي غزّة عند السّاعة 17:00 في محترف شبابيك. هذا المعرض هو نتاج عمل دام 3 سنوات، لقصص التقطها محمد بدارنة مع أبطالها الأطفال الذي يحملون أصوات القرى غير المعترف بها في النقب، وأفراحهم التي تعيش رغم الهدم المستمر ومصادرة الأراضي.

تطور المشروع أثناء زيارات بدارنة إلى النقب ومعايشة أهله، وكان من بين كل الأساليب واللغات التّصويريّة التي اختارها، هو أسلوب العمل مع الأطفال. يقول بدارنة: “بما في ذلك من خطورة كبيرة، لأن الأطفال قادرون دائمًا على جذب الكاميرا وهنالك احتمال دائم بأن تحضر الجمالية بصورهم، لكني اخترت موضوع الأطفال من مكان المشاهد القادر أن يعطي الأطفال حرية بناء الإطار الخاص بهم”.

عمل بدارنة على المشروع في حوالي 15 قرية غير معترف بها، وبالنهاية قرر اختيار 10 قرى فقط. ويرى أنّ أهم ما في المشروع هو العلاقات التي بناها وتطورت خلال فترة العمل، خاصة في ظلّ التّحديات التي واجهته، بما فيها الخوف الكبير لأهالي النقب من الكاميرا، الخوف النابع من عدم الثّقة بهذه الآلة التي تحملها الشّرطة الإسرائيليّة لتصور القرى وناسها ما قبل وخلال وما بعد هدم البيوت.

لا يضم المعرض صورًا كلاسيكيّة لأطفال يعيشون أوقاتًا صعبة وحزينة وتدعو للشفقة، إنما هي أطر لأطفال مليئين بالقوة والحياة، فيها الطفل هو سيد نفسه وقادر أن يعبر عن نفسه بشكل مدهش رغم كل الظروف التي يعيشها.  يقول بدارنة: “قضية  النقب وأطفاله هي ليست قضية أطفال يعيشون أوضاعًا اقتصاديّة صعبة، إنما قضية أطفال يعيشون تهديدًا يوميًا بالاقتلاع من أرضهم. غالبية الأطفال الذين قابلتهم سردوا لي قصصهم، وبالتالي الصّور تضم مشاهد الحياة التي نراها بوضوح فيها من جهة، ومن جهة أخرى تضم مشاهد الهدم غير الحاضرة بالصور، والتي كان الأطفال يتحدثون عنها بوعي مدهش”.

في حديثه عن المعرض، يقول بدارنة: “حاولت أن لا أقع بتوثيق الصورة الكلاسيكيّة للفلسطينيّ الذي يُهدم بيته ويصرخ – على الرغم من أنّ هذه هي الحقيقة-، إنما أن أحمل المشروع إلى فرح مبالغ به، لأن هنالك قوة اقتلاع مبالغ بها أيضًا”، ويضيف: “كان النقب هو ستوديو المشروع لمدة 3 أعوام، يضم داخله مشاهد متنوعة، وبالأساس مشاهد ألعاب الأطفال التي تعتمد على أجسادهم وليونتها بالحركة، لدرجة أني كنت أشعر أحيانًا، وأنا أصورهم، بأني داخل سيرك متحرك”.

• إنتاج الفرح
يرى محمد بدارنة أنّ قوة المعرض تكمن في الظروف التي يعيشها الأطفال وفي الفرح القادرون على إنتاجه رغم الظروف القاسية، بما فيها هدم البيوت. يقول بدارنة: “في كل مرة كنت أرى فيها طفلًا يقفز باتجاه الكاميرا كي يتصور، كنت أرى مشهدًا فيه يقفز الطفل فوق الهدم، هذا الانتصار المستمر على الجرافة، كأنهم يقولون كل مرة: أنتم تهدمون ونحن نحلق أكثر، أنتم تهدمون ونحن نلعب أكثر”.

ويضيف: “هذا المشروع هو شيء ما فوق صوت الجرافات، هو المشاهد التي لا نراها، نحن الذين اعتدنا على صور الجرافات التي تهدم البيوت، والذين لا نرى مشاهد بيوت الصّفيح وألعاب الأطفال فيها. وهذا المعرض أهديه إلى روح الطفل محمد الأطرش، الطفل الذي مات حرقًا لأن سيارات الإطفائية لم تعرف أين تقع قريته على الخارطة”.

من الجدير بالذكر أنّ مشروع “ألعاب غير معترف بها” يأتي بعد عدة معارض فرديّة لمحمد بدارنة، أهمها مشروع “ترجعوا بالسلامة” الذي لاقى انتشارًا واسعًا، حيث عُرض في عدة أمكنة في العالم وتبنته منظمة العمل الدوليّة.