الحاجة وأهداف المناظرة:

أحد أسس المجتمعات الديمقراطية يمكن في توفير حق التعبير عن الراء والمشاركة في النقاشات العامة -حول مواضيع سياسية واجتماعية واقتصادية-، والمشاركة في تحديد السياسات العامة وتحديد مصير ومستقبل الشعوب. وفي الديمقراطية المعاصرة تحولت النقاشات العامة من ساحات المدينة (كما كان في المدن اليونانية) إلى أروقة البرلمانات ومن مشاركة المواطنين مباشرا الى مندوبهم وممثلوهم في المجالس التشريعية. الا انه وبالرغم من ذلك ما زال للنقاش والجدل مكان هام في الحياة اليومية، في البيت وفي المدرسة وفي أماكن العمل بل وحتى في الشارع. فإذا كان تثقيف الأجيال الشابة للمشاركة الديمقراطية المتنورة واكتساب المعرفة هو أحد أهم أهداف برنامج المناظرات، يمكن اعتبار الحد من استعمال العنف الكلامي والجسدي وخفض العصبية والانفعال أثناء النقاشات من ابرز إسقاطات ونتائج برنامج المناظرة. فالمناظرة هي فعالية تنافسية تثقيفية لنقاش وجدل علني أمام جمهور، ومعدّة للإقناع أو لتغيير الرأي، وهي ذات مبنى وتوقيت مُحدّد وصارم. يشارك في المناظرة مجموعة من الطلاب ويكوّنون فريق لدعم أو معارضة مقولة تطرح للنقاش.

مما لا شك فيه أنّ الإنسان والمجتمع العربي الفلسطيني في الداخل في أمس الحاجة إلى تطوير مهارات اكتساب المعرفة وتشجيع الأجيال الشابة على القراءة والخوض في حقول معرفة بعيدة عن اهتماماتهم اليومية الاخذة في الانحصار. كما يحتاج المجتمع العربي لإنماء ثقافة سياسية ديمقراطية مشاركة، وتربية على نبذ العنف واستعمال وسائل الإقناع والنقاش بعيدًا عن التشنجات والعصبية واللجوء إلى وسائل قمع الرأي الأخر. كما نحتاج عملية تطور وتنمية اجتماعية واقتصادية لخلق إنسان مهتم بالشأن العام غير متقوقع باحتياجاته الخاصة الضيقة، والانكفاء عن أي تدخل في الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام. أضف إلى ذلك تجاهل وفقر المسارات التعليمية القائمة برامج تعمل على ردم النواقص تلك وعلى جسر الهوة بين الحاجة لاكتساب العلم والمعرفة وبين الضرورة في اكتساب مهارات اجتماعية وتنمية سلوكيات الفرد المتنور والديمقراطي.

يحتاج المجتمع العربي ايضا الى بناء كوادر من المثقفين والناشطين في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي لاكتساب المعرفة والخبرة في خوض نقاشات ومناظرات سياسية واجتماعية وثقافية. وعادة ما تجمع هذه المناسبات بين أشخاص من مناطق جغرافية مختلفة ومن خلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة ومن مشارب فكرية متعددة ومتنافسة في بعض الأحيان، وعاداً وبسبب النقص الحاد في الفعاليات الاجتماعية والتثقيفية الغير منهجية لا يلتقي هؤلاء. اذا فبالإضافة الى الفوائد التقليدية للمناظرة، توفر المشاركة في هذه الفعالية في حالة المجتمع العربي آلية لبناء الرأس المال الاجتماعي وفرصة للاتقاء الأجيال الشابة من المناطق والخلفيات المختلفة.

في كثير من الحالات تشارك الأجيال الشابة –طلاب المدارس والجامعيات- في لقاءات ونقاشات مع مجموعات يهودية او نقاشات داخلية سرعان ما تتحول الى “طوشة” ومجرد صراخ عشوائي دون ان يستطسع اي طرف اقناع الاطراف الأخرى، او ان يمنح فرصة لتوضيح موقفة والإدلاء بدلوه بشكل منطقي، وعقلاني وديمقراطي حر. وفي الكثير من الحالات يشارك قسم منهم هؤلاء في برامج اذاعية او تلفزيونية دون ان تتوفر لديهم القدرات على ذلك. مما يعني إننا كمجتمع نحتاج الى تحفيز الأجيال الشابة على اكتساب المعرفة، وتوفير معلومات ومعرفة بديلة للمألوف والاعتيادي، ونحتاج لتطوير قدرات النقاش والمناظرة والخطاب. المشاركة في برنامج المناظرة يوفر قسم كبير من تلك الاحتياجات.

 للوهلة الأولى، ولمن لم ينكشف من قبل لموضوع ومجال “المناظرة” يبدوا الامر كانه هامشي، او فرصة لملئ اوقات الفراغ. لكنه وفي واقع الامر تختلف حقيقة الموضوع تماما. اذ توفر المشاركة في هذا المشروع فرص لتطوير القدرات الكلامية والذهنية لادارة نقاش ومناظرة بشكل منطقي. وتوفر فرصة للتدريب على ترتيب الافكار والادعاءات بشكل عقلاني وباسلوب تراتبي وبطريقة مقنعة. اي ان المعرفة والمعلومات لا تكفي في هذه الحالة وتحتاج الى تدعيمها بأسلوب عرض ونقاش مقنع وتدريب القدرات الفكرية وتنفيذهمم في اسرع وقت. فالمعرفة شرط اساسي للمشاركين لكنها غير كافية. وفي معظم الحالات على المشارك ان يجيد العمل مع مجموعات، ان يتسم بسرعة الخاطر، والدقة في ترتيب الافكار، واكتساب قدرة على الإصغاء والتحليل، وان ينفذ كل هذا في اطار مجموعة وليس بشكل فردي.

من هذا المنطق بادرت جمعية الثقافة العربية الى تنفيذ مشروع المناظرات الشبابية في المدارس العربية، وبين الطلاب العرب في الجامعات. وفقا للبرنامج سوف يشارك الطلاب في ورشات تدريب، في المدارس، يجرى خلالها استعراض للأهمية المناظرة والخلفيات الفكرية والنظرية للموضوع، ويتم استعراض نماذج لمواضيع للمناظرات، واستعراض لأنواع وأساليب المناظرات المستعملة، اذ يوجد عدة أنواع من المناظرات، منها الفردية ومنها الجماعية، كما تختلف عن بعضها في المبنى والأساليب. وفي حالتنا نحن سوف نستعمل اسلوب المناظرة “كارل بوبر”، ثلاثة مشتركين من كل فريق، فريق يدعم “المقولة” وفريق يعارض. في فترة التدريب  عملنا على توفير القدرات الاولية والاساساية للمدرب ليقوم بارشاد مجموعات المناظرة. منها: عرض مركبات المناظرة بشكل مفصل، وتوضيح الاساليب المعمول بها لبناء المواقف والادعاءات وكيفية تجنيد معطيات وابحاث لتدعيم الادعاءات. في الدورة التدريبية تم تحضير المدربين من الناحية التقنية وتم تزويدهم ايضا بالمعرفية الضرورية لفهم السياسات الحكومية النتهجة تجاة الاقلية الفلسطينية، في مجالات الاقتصاد، تهويد الارض، سياسات التمييز العنصري، قوانين الجنسية ومنع لم شمل عائلات فلسطينية، محاضرات عن ابرز المحطات التاريخية للأقلية الفسطينية، نحة يوم الارض.

تتمكن هذه العملية من تحقيق عدة اهداف في آن واحد:

–        زيادة جرعات المعرفة للمشاركين في برنامج المناظرة.

–        تحفيزهم على القراءة واكتساب المعرفة.

–        تطوير القدرات الفكرية والتحليلية، ومهارة التفكير النقدي.

–        تطوير آليات الإقناع أو تغيير الرأي بواسطة النقاش والجدل الكلامي الديمقراطي الحضاري.

–        تحفيز سرعة البديهة والخاطر.

–        تحسين قدرة التحدث والظهور أمام جمهور وزيادة الثقة بالنفس.

–        تنمية ميزات القيادة الحقيقية وتطوير مهارة لمواجهة وحل المشاكل.