استضاف الصالون الأدبيّ في جمعيّة الثّقافة العربيّة، يوم الجمعة 10.06.2011، لقاء أدبيًا ممتعًا حول الكتاب الأخير للكاتب راجي بطحيش "بر حيرة بحر"، حيث شهد اللقاء مداخلات قيّمة من الكتّاب والنقاد المدعوين ونقاشًا مثريًا حول العلاقة بين الذات والجماعة في الكتابة الأدبيّة عمومًا وفي تجربة راجي بطحيش على وجه الخصوص.

في البدء كان الغلاف

افتتح اللّقاء وأدار النقاش خلاله الكاتب والصحفيّ إياد برغوثي، مركّز المشاريع في جمعيّة الثّقافة العربيّة، مؤكّدًا في البداية على مسعى الجمعيّة الدائم لتجديد واستدامة أنشطة الصالون الأدبيّ كفضاء ثقافيّ للتواصل بين الأدباء والشعراء والمهتمين في الأدب، وتسليط الضوء بنقدية على النتاج الأدبي الفلسطينيّ والإطلاع على مستجدات الأدب العربيّ والعالميّ.

وتحدّث البرغوثي عن كتاب "بر-حيرة-بحر"، مشيرًا إلى ملامح الكتاب المنعكسة من خلال غلافه، حيث يعكس اسم الكتاب موضوعة الحيرة والتنقل بين الأمكنة، كما يعكس اختيار الكاتب لتصنيفه "بورتريه منثور" رغبته في تجاوز التصنيفات الأدبيّة المألوفة كإحدى ميزات الكتابة الجديدة، كما يعكس هذا التصنيف مضمونه الشخصيّ المفرط في الذاتيّة، من جهة أخرى يعكس الشريط السينمائيّ على الغلاف أسلوب إخراج النص من خلال إقحام ملاحظات إخراج وتوليف وتقسيمه إلى مشاهد أدبيّة متقطعة دقيقة التصوير والتسجيل.

غلاف راجي بطحيش

تقرير مراقب الحياة 2009

وتحدّث الكاتب والسيناريست علاء حليحل، رئيس تحرير موقع "قديتا نت"، حول عدّة جوانب لكتاب "بر-حيرة-بحر"، حيث قال إنّ هذا "البورتريه المنثور" يثير وهم الفوضى، حيث يظهر كأنّه قطع متناثرة بحاجة إلى إعادة ترتيب وتوضيب، لكن خيطًا رفيعًا ممتدٌ بين ملاحظات الكاتب "الإخراجية" يشكّل محورًا لكلّ الكتاب ونصوصه يمسكه من يفكّ شيفرة الكتاب الخاصة، وأشار حليحل إلى أنّ بطحيش يمركّز الهامش في كتابته، كما أنّه في هذا الكتاب كأنّه يصدر تقرير مراقب الحياة للعام 2009، تقرير يلخّص أهمّ الأشياء غير المهمّة في هذا العام، وأنّ مسار تدوين هذا التقرير كنصٍ أدبيّ هي مونتاج (توليف) سينمائي لترتيب أوراقه ومشاهده، وتحدّث حليحل عن شخصيات الكتاب المنغمسة في ذاتها لأجل ذاتها في جوٍ مشبعٍ بالحزن.

وانتقد حليحل تكرار موتيف الكتابة المشهدية التي لا تفضي إلى سردٍ متين، وقال إنه لا مانع من الانغماس في الذات والاستسلام لها، لكن كلّ الذين فعلوا ذلك كتبوا في النهاية عن المجموع المحيط بالذات عن طريق الذات، وقال إنه يعتقد أن كتابة راجي ستكون أقوى مع حضورٍ أكبر للمجموع.   

 الصالون

الكاتب-المخرج

وقدّم د. حسني شحادة، الشاعر والمحاضر في الفن والحضارة الإسلاميّة في جامعة بن غوريون، مداخلة نقديّة وصف فيها الكتاب على أنّه "عمل يكاد يحاكي سيناريو لفيلم تسجيلي يريدنا الكاتب ليس فقط أن نستقرأه، بل أن نتحول لأشخاص في هذا العمل ودون أن يستشيرنا أو يأخذ منا الإذن"، فالكاتب "يلعب دور المخرج الذي يضع الرتوش الأخيرة على فيلم شخصي جدًا عام جدًا"، وتطرّق د. شحادة للكتاب من خلال ثلاثة محاور: اللّغة، المضامين والحبكة القصصيّة.

حول اللّغة، قال د. شحادة إنها "تزخر بذاكرة ثقافية فلسطينية يستحضرها بحالة من الوعي" وإنه لا يشكّ أنّ الكاتب "يعي ما يكتب واختياره للتكاتب الخفيّ دور مهم في صقل الذاكرة الإبداعيّة الفلسطينيّة"، منتقدًا في الوقت حضور العدو الذي "بعنفٍ ويقتحم عقلية الكاتب ويفرض عليه التعامل معه بخنوع أحيانًا"، أي يأثّر على تركيبة لغته في مواقع عدّة.

الحيلة الذكية

وبالنسبة للمضامين، قال د. شحادة إنّ الكتاب مغرقٌ في ذاتية الكاتب، الذي يحدّد للقارئ المضامين، وإنّ الكاتب بحالة من اللاوعي يقف كمقص رقيب فيضع جملاً وتراكيب بالبنط العريض ليلّمح لنا بأن نتوقف عن التفكير بمضمون النصّ لنبقى مندهشين" معتبرًا هذا الأسلوب حيلة ذكية كانت ناجعة في كثير من المقاطع، وكانت عقبة في الوصول إلى المضمون في أماكن معيّنة.

وحول الجانب الفنيّ، تطرّق د. شحادة إلى تأثير لوحات من عالم الفنّ، وأشار أيضًا إلى "الدقة في وصف مناطق معينة في مدن مختلفة" وإلى "القدرة على تصوير واقع معقّد يكاد يكون مستحيلا"، وإلى "تجلي المدينة بكلّ عنفوانها في بعض الصور الجميلة في الكتاب حيث تصبح حتمًا جزءًا من مناخها الكئيب!"، لا سيما مدينة تل أبيب، وإلى أن محاور الكاتب الجغرافية تلعب دورًا رئيسًا في حياة الكاتب في الماضي والحاضر، وشدّد على أنّ لا فاصل بين كتابة راجي بطحيش ومعايشته لكل لحظة من لحظات التنفس الأبديّ من أجل البقاء ما بين حيرة لحظات التنّفس في الحياة وقلق التأمّل في ذكريات الماضي أو البقاء معلّقًا بين البر والبحر.

صورة 2

الخيط الرفيع وثنيّ العصا

ثمّ قرأت الشاعرة والإعلاميّة أسماء عزايزة مداخلة أرسلها الكاتب الفلسطينيّ سليم بيك، رئيس تحرير مجلة "رمّان"، من الإمارات، الذي تحدّث عن نصوص راجي بطحيش وشخصيته، وكتب إنّ "نصوصه في الكتاب، وغيرها، فيها من المباشرة ما سيزعج القارئ المحافظ، ومن التركيب ما سيزعج المهذّب، ومن التجريب ما سيزعج الكلاسيكيّ، ومن الذاتية ما سيزعج الأحق، وهؤلاء كثر، ولن يجابههم غير كاتب يكون بلامبالاة راجي، بنزقه، بتأففه".

وكتب البيك أنّ في مداخلته الجرأة والتجريب يظهران أساسًا من الغلاف والتصنيف، وكتب أيضًا أنّ "الجميل في الكتاب هي أن جميع نصوصه ترتبط بخيط رفيع، منقطعة متصلة، الحقيقة أنّ النص الواحد منها منقطع متصل بذاته، وإن استطلع القارئ أن يجابه هذا التجريب في النصوص، إن لم يتعب من الصفحات الأولى، سيجرّب بنفسه متعة قراءة نصوص متجدّدة بذاتها، عفوية، تلقائية، دون رتوش وهاجس اللمسات الأخيرة"، وهي معقودة جدًا، مركبة جيدًا، ليست صلبة ولا طرية، ووصفها أنّها "كتلك العصا الصلبة التي يمكن ثنيها من خلال عقدٍ فيها لتأتي بأشكال لا متناهية، دون أي تنازلات عن صلابتها ودون أيّ إيحاء برخاوتها".

أنا-نحن

وشارك الحضور، بعد المداخلات، بنقاشٍ مثرٍ حول عدّة محاور ذات صلة، لكنها تركّزت في العلاقة بين الذات والجماعة في الأدب، حيث دعا البعض إلى الكتابة الذاتية غير المرتبطة بالقضايا الجماعية الكبيرة، وادعا آخرون أنّ اهتمام الكاتب، عمومًا، بمحيطه وخروجه من ذاتيته المفرطة قد تسهم في إغناء العالم الأدبيّ للكاتب، كما أنّها تشكّل تحدٍ للفهم العميق للشخصيات.

وفي نهاية اللّقاء، قرأ الكاتب راجي بطحيش نصّ "تشيلنوف أو تشلينوف"، وأجاب على بعض الملاحظات والأسئلة، حول علاقته بالأمكنة والمجموع، مفضلاً عدم الخوض في هذه المرحلة لتجربة كتابة روائيّة.