افتتح الدكتور إلياس عطاالله جلسة الصالون الأدبي السابعة التي خصصت لذكرى رحيل الروائي الكبير نجيب محفوظ، ما سأقوله لا يعدو كونه افتتاحيّة بعيدة عن مواصفات الدراسة، وإن كان لنا أن نستعير من الإعلام بعض مصطلحاته، فإنّ نجيب محفوظ في رواياته " شاهد على العصر"، وتوخّيّا للدّقّة نقول: شاهد على مصر.

اهتمّ دارسو نجيب محفوظ بوضع عناوين لتيارات فكريّة وزّعوها على فترات إنتاجه الأدبيّ، وبخاصّة ذلك الشامل للرواية وللقصّة القصيرة، وعلى اختلاف مذاهب الدارسين، فإنّهم مجمعون على وسم الفترة الأولى من كتاباته بالفترة الفرعونيّة، وتشمل على الغالب ما أنتجه منذ بداية الحرب الكونيّة الأولى حتى نهايتها أو قبيل نهايتها، ويمثّلها إنتاجه في عبث الأقدار، رادوبيس، وكفاح طيبة، علما بأنّ محفوظ كان مشغوفا بتاريخ مصر، ولذا كانت ترجمته لكتاب " مصر القديمة" مبكّرة، حيث رأت النور عام 1932.

أمّا الفترة الثانية، وهي التي يصفها بعضهم بفترة الواقعيّة الاجتماعيّة، والتي بلغت ذروتها- كما يُقال- في الثلاثيّة، فتشمل رواياته: القاهرة الجديدة وخان الخليلي وزقاق المدقّ والسراب وبداية ونهاية وغيرها… أمّا الثلاثيّة، والتي كتبها قبل ثورة الضباط الأحرار 1952، فلم تنشر إلا بعد الثورة في عامَي 1956- 1957، وكان كتبها رواية واحدة من زهاء ألفي صفحة، فاقترح عليه الناشر تقسيمها، فجعلها ثلاث روايات متسلسلة عُرفت بأسمائها الشهيرة: بين القصرين، قصر الشوق، السكّريّة… ولكي لا يظنّ أنّ الثلاثيّة هي غاية ما أنتج في هذه المرحلة، نذكر أيضا أنّ أولاد حارتنا واللص والكلاب والسمّان والخريف والطريق والشحّاذ وثرثرة فوق النيل، وبعض قصصه القصيرة كدنيا الله وبيت سيّئ السمعة نشرت جميعا قبل عام 1967. في بعض هذه الأعمال يتجلّى تيّار الواقعية الجديدة المشربة بالرمزيّة، وإن كان لي أن أمثّل لها، فأولاد حارتنا نموذج لها… الحارة التي تقوقع فيها محفوظ، ورسم واقعها وإشكالاتها وتطلّعاتها، محاولا أن ينقلها إلى العالميّة، وقد رأى بعض الباحثين أنّ محفوظ أفلح في هذا الأمر، ولا يفوت الباحث سوميخ- وهو مختص بأدب محفوظ وصديق عائلة مقرّب- أن يذكّرنا بأن أنفاس جورج أورويل George Orwell الإنجليزيّ تحوم حول الرواية، وبخاصة Animal Farm التي نشرت عام 1945 كأليجوريا allegory ساخرة من النظام السوفييتي في عهد ستالين. لعلّ تكديس الرمز في هذه الرواية، وربط بعض إيحاءاته بالقرآن الكريم والأنبياء والخلق والثورة، كان لها الأثر في تعرّضه لمحاولة الاغتيال عام 1994، وقد تكون هنالك دوافع أخرى لا يحتملها الوقت المتاح.

أدرج عدد من الدارسين إنتاج محفوظ بعد 1967 تحت مظلّة فترة الوعي، ابتداء من ميرامار، مرورا بالكرنك… ولم يكن محفوظ من المقرّبين من الثورة، ولا من الأفكار التي طرحتها، ولا راضيا عن ممارسات بعض رموزها، ولم يتماثل معها، وترك يكتب دون اعتقال أو تضييق، خلافا لعدد من الأدباء الذين وقفوا من الثورة موقفه.

وأعود إلى الثلاثيّة لأنّها، بشبه إجماع، قمّة ما كتب، أو لأنّها السبب الرئيس في حصوله على جائزة نوبل: في رواية النهر هذه saga novel تتبّع محفوظ قصة عائلة مصريّة ابتداء من ثورة 1919، واصفا حياتها وتقلبّاتها وشخوصها، مقدّما صورة تشريحيّة لعائلة مصريّة من الطبقة الوسطى القاهريّة، باذرا فكره في بعض شخوص الرواية، تتبّع محفوظ ثلاثة أجيال من هذه العائلة، ومع تعاقب الأجيال تتعرّض الأفكار للتقلّب والغنى، ففي الجيل الثالث في السّكّريّة يهيمن الواقع دافعا بالنظريّات والفلسفات جانبا، بل إن معتنق الشيوعيّة، ومعتنق الفكر الإخوانيّ كان مصيرهما إلى المعتقل. وثانية لا ينسى الباحث سوميخ بتذكيرنا بأنّ محفوظ يتّكئ على مأثور أدبيّ غربيّ- و لا أعرف من أنكر هذا أصلا- دون أن يتأثّر ببذور القصّة العربيّة الطابع والمتمثّلة بالمقامات، أو بألف ليلة وليلة، أو الحكايات الشعبية العربيّة، لا أعرف لماذا يجنح الباحث المذكور إلى إعادة الإبداعات إلى ثقافات غربيّة، فأمر التثاقف وارد، وأمر التأثّر وارد، ولا معرّة فيهما… ويظل الباحث يبحث عن الدليل ليثبت أنّ ثلاثيّة محفوظ مأخوذة قالبا ومضمونا- مع إجراء عمليّة التمصير- من ثوماس مان Thomas Mann الألماني(1875- 1955) الحاصل على جائزة نوبل عام 1929 في روايته: BUDDENBROOKS- VERFALL EINER FAMILIE، الصادرة عام 1901، والتي تروي قصّة عائلة برجوازيّة، وما جرى لأربعة أجيال منها، حتى انهيارها. وجد سوميخ ضالته في بعض رسائل محفوظ التي نشرت بعد حصوله على جائزة نوبل، حيث وقف على رسالة يطلب فيها محفوظ من صديق له مقيم في أوروبا أن يشتري له نسخة مترجمة إلى الإنجليزيّة من رواية مان" بيت بودنبروك"، وكان ذلك قبل صدور ثلاثيّته بعشرين سنة.

من حق سوميخ أن يذهب إلى ما ذهب إليه، وكما قلت لا أرى غضاضة في الأمر، ولكنّ محفوظ، المعروف بسعة اطّلاعه على الأدب الغربيّ، كان متخما بتاريخ مصر والشرق وبالأدب العربي والحضارة الإسلاميّة، وحين ألقيت كلمته أمام الأكاديميّة السويديّة يوم تسلّمت ابنتاه فاطمة وأمّ كلثوم الجائزة، جاء فيها: " أنا ابن حضارتين: الحضارة العربيّة الإسلاميّة، وحضارة مصر الفرعونيّة".

كان محفوظ كما جاء في عنوان هذا الملتقى " مدرسة في الرواية"، ولا شكّ في أنّه من كبار الروائيّين العرب، إن لم يكن كبيرهم عند عدد من النقّاد، وكان بعضهم قد ربط اسمي محفوظ والرواية بشكل غير منفكّ، حتى أنّه في فترة من الفترات رأى فيه بعض الكتّاب عقبة في طريق الروائيّين الجدد، وكان ذلك مع بداية انتشار اسم الطيّب صالح في عالم الأدب العربيّ في موسم الهجرة إلى الشمال، وغيرها من روائعه.

وختاما، لا أنتقص من جدارة محفوظ بنيل الجائزة، ولا بجدارة غيره من العرب ممّن اقترح اسمه، ولي أن أتساءل، في منأى عن التهمة، إن كان هنالك تأثير لقوى ضاغطة يعرفها الباحث سوميخ، قوى من شأنها أن تمهّد الطريق… وتبقى إبداعات نجيب محفوظ راقية من قبل ومن بعد، والظاهر أنّ الطريق إلى الجوائز، صغرت أم كبرت، تحتاج إلى هذه المسهّلات.

أمّا أنا، وليس من شأن هذا أن يقدّم شيئا أو يؤخّر، فلست من عشّاق هذا الجانر الأدبي، فلطالما أرهقني، ولطالما وصل الأمر حدّ التثاؤب.

وتطرق الكاتب علاء حليحل في مداخلته القصيرة لنقاط تتعلق بالأساس بعلاقته ككاتب شاب مع كاتب كبير مثل محفوظ. وقال: "أنا أبحث باستمرار عن معلمين وعن كتاب كبار يمكن لي أن أتعلم منهم، ومحفوظ بلا شك هو واحد من المعلمين الذي استفدت وأستفيد منهم".

وقال حليحل إنّ حياة نجيب محفوظ كإنسان هي حياة مثيرة كونه رجل التناقضات. فلا أحد يعلم حتى اليوم لماذا أخفى محفوظ زواجه وظلّ ذلك سرًا حتى "انفضاح الأمر" حين طلبت مديرة المدرسة من ابنته أن تدعو ولي أمرها إلى المدرسة! كما أنّ محفوظ المعروف بكونه عاش وفق نظام حياة وكتابة صارم، هو ليس محفوظ، إنسان الليل، الذي كان يبدأ حياة سهر ولهو مع أصحابه في الغرز القاهرية الشهيرة، وما يصحبها من تدخين وانبساط وكيف. ناهيك طبعًا عن إدارته لعلاقة حب ملتهبة مع الفنانة المرحومة سعاد حسني، وهذا هو "سر معروف" جدًا في الحياة الفنية والأدبية القاهرية…

وقال حليحل إنه يرى في هذه التناقضات أرضية ممتازة لكتاباته الغنية والمتنوعة، وأضاف: "في رأيي انّ ما خفي من حياة محفوظ وما عُرف بعد ذلك يؤخذ لحسابه وليس عليه، إذ أن الكتاب والمبدعين هم أكثر من يعيشون ويحملون تناقضات قد لا تكون مفهومة ومقبولة عند جميع الناس"…

 

واعتبر حليحل ملحمة الحرافيش لمحفوظ أفضل ما كتبه محفوظ، لأنها توّجت إنتاجاته عن الهامش وما يعنيه هذا الهامش في حياة كل شعب وشعب.

واختتم حليحل بعرضه نقطة إشكالية لم تلقَ الترحيب في النقاش، حيث قال إنّ محلية محفوظ هي أكبر من كونيته ككاتب عالمي، وأنّ كتاباته، رغم قوتها وبراعتها، ظلت قاهرية ضيقة، وكثير من كتاباته لا يمكن أن يُفهم ويقرأ إلا في السياق المحلي، خصوصًا في ضوء تحيزه وأيمانه بالأصول الفرعونية للحضارة المصرية اليوم، على حساب كونها جزءًا من الحضارة العربية، أصولاً وتطورًا.

وختامًا، اقتبس حليحل ما قاله محفوظ في لقاء صحافي لألفريد فراج عن الإنسان المصري: "المصريون لطاف وأهل مودة، يحبون الحياة ويعشقون مسراتها، وبخاصة المسرّات الحسّية، وفيهم من طبيعة النمل، ذلك هو دأب الواحد منهم.. وحتى لو لم تكن همته عالية، إلا أنها همة متصلة باستمرار.. تثمر في النهاية عملا ضخماً. ومن صفات المصريين العجيبة أنهم تمرسوا بالاستبداد، وهم من أقوى الناس على كراهيته وعلى الصبر عليه. إنهم يحتملونه كما يحتمل الشخص مرضًا مزمنًا لا يحبه ولكنه يصبر عليه. يُخيّل لي أنهم من أكثر شعوب العالم إحساساً بالحاكم. وسبب ذلك أنّ الحاكم كان له دائماً وفي كل العصور أثر في كل تفاصيل حياتهم اليومية. وهم من الشعوب المتدينة جدًا، ويغلب عليهم التعلق بالطقوس والمراسم والعادات الدينية. وإن أية نقائص في الشخصية المصرية -كالقدريّة وندرة الروح العلمية والسلبية في كثير من الأحيان- إنما ترجع إلى ما ورثته من عهود الظلام التي شملتها آلاف السنين".