نظّمت جمعيّة الثقافة العربيّة في مدينة حيفا يوم الأربعاء 24/10/2018 ندوة خاصّة بمناسبة الانتخابات للسلطات المحليّة التي ستعقد في الثلاثين من أكتوبر في أرجاء البلاد تحت عنوان "انتخابات الحُكم المحليّ ومكانة الثّقافة واللّغة العربيّة"، حضرها مجموعة من العاملين في الحقل الثقافي.

افتتح الندوة الكاتب أنطوان شلحت بالإشارة إلى أن هذه الندوة تأسيسيّة إذ تهدف جمعيّة الثّقافة العربيّة من خلالها التركيز على قضايا الثّقافة واللّغة العربيّة من خلال الحُكم المحليّ الذي يُشكّل في كينونته للفلسطينيين في الداخل، عنوانًا مهمًا ليس في إطار توفير الخدمات اليوميّة والحياتيّة فحسب إنما أيضًا وأساسًا في سياق كفاحهم المتواصل والمفتوح من أجل الحفاظ على الهويّة وترسيخها على أساس الانتماء الوطنيّ والقوميّ، بالذات بعد أن رَفع "قانون القومية" الإسرائيلي مسألة مناهضة الهويّة الفلسطينيّة واللّغة العربيّة إلى موقع البند الدستوري. وقال شلحت الذي أدار الندوة أنّ هذه فرصة لفحص مبلغ اهتمام المرشّحين في هذه الانتخابات، سواء للرئاسة أو للعضوية، بهذه القضيّة سوية مع اختبار مبلغ اهتمام الأحزاب بها، وفيما إذا كان إيلاء الثّقافة واللّغة العربيّة يحتلُّ مكانة متقدمة في البرامج الانتخابيّة.

 

 

تحدّث في المداخلة الأولى الصحافي ربيع عيد الذي استعرض مسحًا خاصًا أجراه لهذه الندوة راجع فيه مجموعة من البرامج الانتخابيّة لعدد من مرشّحي الرّئاسة وقوائم العضويّة في عدّة بلدات عربيّة. وقدّم عيد في مداخلته تحليلًا لظهور قضايا اللّغة العربيّة والثّقافة في البرامج الانتخابيّة من خلال تصنيفات أجراها على قوائم العضويّة والمرشحين: قوائم حمائليّة (عائليّة/طائفيّة/حاراتيّة)، قوائم أهلية تحوي عدّة شرائح، قوائم حزبيّة، قوائم مستقلّة. كما انتقى في عيّنة المسح مدن عربيّة وقرى وبلدات متوسّطة وقوائم عربيّة في البلدات "المختلطة"، في محاولة لتبيين صورة قُطريّة أوسع على المجتمع الفلسطيني في الداخل وليس محليّة، تعكس حال الثّقافة واللّغة العربيّة في البرامج الانتخابيّة.

وطرح عيد تساؤلات حول طبيعة البرامج الانتخابيّة وكيفيّة كتابتها من قبل المرشّحين وهل هي برامج وخطط عمل أم تُكتب كرفع عتب لأنه مطلوب خلال الحملة الانتخابيّة توزيع نشرات وبرامج؟ وهل تعبّر هذه البرامج عن حراكات مجتمعيّة؟ أو هل انخرط مهنيّون وأكايدميّون في صياغة هذه البرامج؟

وخلص عيد إلى القول أن هناك تباين في حضور قضايا الثّقافة واللّغة العربيّة في البرامج الانتخابيّة وهو أمر متعلّق بطبيعة القائمة وطبيعة البلدة. ففي المدن "المختلطة" على سبيل المثال تحضر قضايا الثّقافة واللّغة في سياق الحفاظ على الهويّة الفلسطينيّة داخل الميدنة الإسرائيليّة ذو الأغلبيّة اليهوديّة. كما أن للأحزاب وبعض القوائم تاريخ وإرث في العمل البلدي مما انعكس على شكل ومضمون البرنامج الانتخابي وطرح مشاريع ثقافيّة مختلفة منها ما هو مفصّل وواضح. وأشار إلى أن القوائم ذات الطابع الحمائلي غالبًا ما تتعامل مع قضايا الثّقافة واللّغة كطروحات وشعارات عامّة وغير مفصّلة أو حتّى أنها لا تطرح برنامجًا انتخابيًا بالأصل، بالإضافة إلى أن هناك موجة من القوائم المستقلّة التي تطرح برامجًا وخطابًا بمستوى عالٍ من الجدية والإقبال على العمل وفي نفس الوقت تحمل بعض ثغرات التجربة الأولى بالعمل البلدي والسياسي. وشدد عيد في ختام مداخلته على ضرورة إجراء بحث ميداني شامل يجمع ما يُطرح خلال الانتخابات وما يُنفّذ وتحدّيات تنفيذه، خصوصًا أنه لا يوجد دراسات ميدانيّة للفلسطينيين في الداخل تهتم بقضايا الحكم المحليّ ومكانة اللّغة العربيّة والثّقافة.

في المداخلة الثانية، تحدّثت الفنانة منار زعبي عن تجربتها الشخصيّة في العمل الفنّي الفردي والمؤسساتيّ، والتّحدّيات التي تواجه الفنانين عمومًا في سياق العلاقة مع المجالس المحليّة والبلديّات في البلدات العربيّة. واعتبرت زعبي أن الكثير مما يقال خلال الحملات الانتخابيّة حول الثّقافة هو ديكور وليست مشاريع عمل حقيقيّة تحمل رؤية. استعرضت زعبي أمام الحاضرين عدد من المبادرات الثقافيّة التي عملت ونشطت فيها وبادرت لها، وبيّنت مجموعة من المفاصل الشائكة التي تحكم علاقة الحُكم المحليّ مع العمل في الحقل الثقافيّ. وقالت أيضًا أن هذه الندوة مؤسِّسة وهناك حاجة لجسم استشاري تأسيسي على مستوى وضع رؤية ثقافيّة للفلسطينيين في كل مكان.

في المداخلة الثالثة والأخيرة، تحدّث الباحث د.أيمن إغبارية بداية عن مصطلحات تعريفيّة حول المثقّف والثّقافة والحركة الثقافيّة طارحًا مجموعة من الأسئلة تواجه الفاعلين في الحقل الثقافيّ وعن شروط إنتاج الثّقافة. وقال إغبارية أنه لطالما كان المثقّف جزءًا من مجتمعه لكن بتنا نشهد حالات مثقّفين منفصلين عن مجتمعهم ودون أي تواجد مجتمعي لهم أو حتّى جمهور. وطرح إغباريّة تساؤلات حول الفجوة في التعامل مع الثّقافة فهل هي فقط الثّقافة الرفيعة أم أيضًا تشمل أشكالًا وأنماطًا من الثّقافة الشعبيّة التي تستهوي جمهورًا واسعًا، وكيف يمكن إعادة اللحمة بين الثّقافيّ والسياسيّ. وأكّد أنه لا يوجد ثقافة دون مثقّفين محذرًا من نموذج المثّقف المحسوب على السلطة. كما تساءل إذا كانت الأحزاب السياسيّة في الداخل أو القائمة المشتركة تحمل مشروعًا ثقافيّا، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للمثقّفين والحذر من تغليب السياسة على الثّقافة أو السياسيّ على الثقافيّ، وإلى ضرورة وجود مشروع ثقافي وطني جامع يعطي الإمكانيّة للناس أن تحلم ويسعى لإعداد مجتمع منفتح ومتعدّد.