اختتمت جمعيّة الثّقافة العربيّة، يوم السبت الماضي 27/04/2013، في مقرّها بالناصرة دورة تدريب مدربين في التفكير النقديّ مع المدرّبة والمحاضرة الدوليّة إيزابيل ميلون، مديرة معهد الفلسفة التطبيقيّة في باريس، شارك فيها 20 مشاركًا ومشاركة من مختلف مجالات العمل التربويّ والتدريبيّ والشبابيّ، وتمحوّرت حول الكفايات والتوجّهات والتطبيقات التدريبيّة في مجال التفكير النقديّ، لمدة 36 ساعة أكاديميّة.

في بداية الدورة، التي تعتبر الأولى من نوعها في مجتمعنا، شرحت المدرّبة خلفية نشوء "التفكير النقديّ" كأسلوب مغاير لتعليم الفلسفة، وقالت "كان تعليم الفلسفة يعني نقل المعرفة حول تاريخ الأفكار والمفكّرين والمدارس الفكريّة والمفاهيم الرئيسة، أي ما يدعى "العلوم الإنسانيّة". ولكن، ولأسباب عدة تتعلق بتطور المجتمع (دمقرطة التعليم، زيادة تدفّق المعلومات… إلخ)، تبيّن في البلدان التي تُدرّس فيها الفلسفة، تاريخيّا، في المدارس الثانويّة، وجود فجوة متزايدة بين المنهاج التقليديّ والطلبة المتوسّطين. حاول عدد من المربّين، ودون التخلي عن فكرة "التثقيف"، البناء على مبدأ آخر في الفلسفة: أن تتعلّم كيف تفكّر وكيف تكون، بدلا من مجرّد تدريس الفلسفة، وذلك بعيدًا عن التلقين لتصبح تجربة أكثر تشاركيّة ومواجهة، والتي يمكن أن تسمّى التفكير التأمليّ أو التفكير النقديّ". 

شملت الدورة مجموعة من الورش التدريبيّة للدورة، التي يسّر المشاركون قسمًا منها كتطبيق لمضامين الدورة، حيث دمجت الورش بين الكفايات الأساسيّة الثلاث في الفلسفة: التعميق (المحاججة (إنتاج الحجج)، شرح الفكرة، التحليل، التبسيط والإيجاز)، المساءلة والنقد (فحص قصور وأخطاء فكرة، من خلال الأسئلة والاعتراضات)، وضع التصوّر أو صياغة المفهوم (تحديد مصطلح يعبّر عن خلاصة الفكرة).

كذلك شملت الورش تطرقًا دائمًا للمواقف والتوجّهات المعرفيّة والوجوديّة المميّزة للتفكير النقديّ بهدف تطويرها عند المشاركين لإيجاد بيئة تمكّن من حدوث التفكير التأمّليّ، أهمّ هذه التوجّهات هي؛ السكون (تهدئة الجسد والعقل، وإرضاء الذات، وإسكات فوضى العقل، وإبطاء فيضان الإفكار وإلحاح الحديث)، الجهل المكتسب (القدرة على التخلّي عن الآراء الخاصّة، التوقف عن إصدار الأحكام، والفحص المتعمّق والناقد للأفكار التي عبّر عنها الشخص)، الأصالة (الجرأة على التفكير وقول ما نفكّر به، والمخاطرة بالتعرّض لفرضيّات جديدة)، التقمّص العاطفيّ (تطوير القدرة على وضع الذات مكان الآخر لفهمه)، المواجهة (تطوير القدرة على مواجهة تفكير الآخرين وتفكير الذات).

بالمقابل، نسّقت جمعيّة الثّقافة العربيّة جولة تدريبيّة قامت بها المدرّبة إيزابيل ميلون شملت أربع مدارس ثانويّة عربيّة: ثانوية نوتردام- معليا، المدرسة الثانويّة الأهليّة- أم الفحم، الكلية العربيّة الأرثوذكسيّة-حيفا، مدرسة عهد للتميّز- حورة. وأثارت الورش في المدارس، عمومًا، تفكير الطلاب حول مواضيع ذات صلة بالتركيز والإصغاء والمسؤولية الذاتيّة واحترام الآراء المختلفة وعدم التسرّع بإعطاء أجوبة والتعطّش للمزيد من المعرفة، كذلك أفادت الورش في مهارة الإيجاز في الإجابة وتكثيفها في مفهوم محدّد. كما تحفّز المديرون والمسؤولون التربويّون جرّاء نجاح الورشة في تشكيل مرآة لديناميكيّة المجموعة في الصف وسلوك الأفراد فيها عن رغبتهم بتنظيم المزيد من هذه الورش ودمجها في البرنامج التعليميّ وضرورة أن تبدأ بالمدارس من الطفولة المبكرة المرحلة الابتدائيّة. 

كذلك قيّم المشاركون والمشاركات في دورة تدريب المدرّبين الدورة بأنّها "مفيدة" و"قيّمة جدًا" و"مميّزة" و"مثيرة" و"عميقة" وحملت "الاستفادة الشخصيّة والمهنيّة".

هذا، وستسمر جمعيّة الثّقافة العربيّة بعد نجاح هذه التجربة الأولى من نوعها في مجال التفكير النقديّ، من المنطلق الفلسفيّ والفكريّ، في العمل على تأسيس كوادر مهنيّة وتطوير مساقات ومضامين ومرجعيات تدريبيّة وتربويّة في هذا المجال.

يذكر أنّ مشروع التفكير النقديّ هو جزء من برنامج التمكين الشبابيّ بدعمٍ من "صندوق المجتمع المفتوح".