نظّمت جمعيّة الثّقافة العربيّة، مساء الأربعاء (11/3/2021)، ندوة جديدة من سلسلة ندوات “حديث الأربعاء” حول انتخابات الكنيست الإسرائيليّ المقبل، كل من الصّحافيّ المختصّ في الشؤون الإسرائيلية في صحيفة “العربي الجديد” نضال وتد، ومديرة برنامج الدّراسات النّسويّة في مركز “مدى الكرمل” د. عرين هوّاري، والمحاضر في جامعة “ساوس”- كلية الدّراسات الشّرقيّة والأفريقية في لندن د. نمر سلطاني، وحاورهم الصحافي طارق طه.

 

وتجري انتخابات الكنيست يوم 23 آذار/ مارس الحاليّ، بعد سنة واحدة من الانتخابات الأخيرة، وللمرّة الرّابعة خلال سنتين في ظلّ أزمة عدم استقرار الحكومات الإسرائيليّة، ووجود متغيّرات كثيرة في السّاحة السّياسيّة الإسرائيليّة، ووسط تحوّلات في الحركة السّياسيّة للفلسطينيّين في الدّاخل، مع تفكّك القائمة المشتركة بشكل جزئي وتصاعد خطاب الفرز الاجتماعي ومحاولة زيادة التمثيل العربيّ في الأحزاب الصّهيونيّة.

 

وطرحت النّدوة من بين أمور أخرى أسئلة حول مسبّبات تفكّك المشتركة ومآلات التّمثيل الفلسطينيّ في الكنيست، وحول خلفيّة خطاب المجتمع المحافظ وماهية الترشّح العربي في الأحزاب الصّهيونيّة.

 

وتد: لا جديد في المشهد السّياسيّ الإسرائيليّ

 

 

وحول سؤال ما الجديد في الانتخابات الحاليّة؟ اعتبر نضال وتد أنّ المفارقة في هذا السّؤال تكمن في أنّه لا جديد في المشهد السّياسيّ الإسرائيليّ، في ظلّ وقوف رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي، بنيامين نتنياهو، على رأس أكبر حزب في الكنيست، دون أن يتمكّن من تشكيل حكومة، بالأساس بسبب قرار قائد كتلة يسرائيل بيتينو برلمانية ذات 4-5 مقاعد، وهو أفيغدور ليبرمان، عدم الانضمام لحكومة يرأسها نتنياهو، وهي الأزمة الّتي تستمرّ منذ سنتين، إلّا أنّ الجديد في هذه الانتخابات هو عدم وجود قطب مقابل لنتنياهو وحزب الليكود، على عكس الانتخابات السّابقة، والّتي شهدت تحالف ثلاثة أحزاب تحت اسم “كحول لافان” وهي كلّ من أحزاب “يش عتيد” و”حوسن ليسرائيل” و”تلم”، هذه الأزمة واستمرار عدم الاستقرار الحكومي والسياسي في الساحة السياسية الإسرائيلية هما عمليا ترجمة للجمود والتشتت الّتي شهدته القوى السياسية الإسرائيلية، أمام انقسامات مختلفة على قضايا دينيّة وسياسيّة ومدنيّة متعدّدة. كذلك، اعتبر وتد أنّ ما يختلف في هذه الانتخابات هو غياب الأمل الإسرائيلي بانتظار جنرال ينقذ إسرائيل من أزمتها السّياسيّة بعد فشل الجنرال بيني غانتس وسقوطه بفخّ نتنياهو وفقدانه مصداقيّته، وبعد تفكّك حزبه الّذي لا تتوقّع له الاستطلاعات حاليًّا أكثر من خمسة مقاعد إن اجتاز نسبة الحسم؛ أمّا القضيّة الأهمّ الّتي تغيب عن هذه الانتخابات فهي قضيّة النّزاع السّياسيّ الإسرائيليّ الفلسطينيّ، خلافًا للانتخابات الماضية الّتي كانت تجري في ظلّ الحديث عن مخطّطات الضّمّ الّتي لم تعد قائمةً اليوم.

واستعرض وتد الاحتمالات القائمة في هذه المعركة الانتخابيّة أمام الأحزاب الإسرائيليّة لتشكيل حكومة لا يترأسها نتنياهو الّذي تمكّن خلال الأسابيع الأخيرة من تغييب مسألة المحاكمة الجنائيّة ضدّه، والّتي ستبدأ بعد الانتخابات الحاليّة. ويدور الحديث عن غياب كتلة كبيرة تنافس نتنياهو لتشكيل الحكومة، بسبب الخلافات الدّاخليّة بين الشّركاء في المعسكر اليمينيّ الّذي يمكن أن يشكّل حكومة وفق الاستطلاعات، فيما يبدو معسكر نتنياهو متّفقًا مع شركائه في بقية الأحزاب على وجوده كمرشّح لرئاسة الحكومة، بينما تتصاعد التصريحات الّتي تظهر غياب مرشّح آخر، وإن كان هناك بعض احتمالات لتشكيل حكومة يمين رئيسية وحزب الوسط يمين بأكثرية ضئيلة وفقًأ للاستطلاعات حتّى الآن. في المقابل، يبدو أنّ أزمة كورونا سيكون لها تأثير خاصّة في ظلّ التّوقّع أن يكون حتّى يوم الانتخابات نحو 60 ألف مصاب بالفيروس.

 

 

سلطاني: تفكّك القائمة المشتركة نهاية طبيعيّة لوحدة هشّة

 

وحول نقاط التقاطع والاختلاف بين القائمتين العربيّتين المرشّحتين للمشاركة في الانتخابات الإسرائيلية وهامش الفعل السياسي للقائمتين في الانتخابات القادمة، بيّن د. نمر سلطاني أنّ تفكّك القائمة المشتركة هو النهاية الطبيعية لتناقضات ومواطن ضعف كامنة فيها، بالأساس وهم التأثير وبنائها على وحدة هشّة؛ فمنذ تشكيل القائمة المشتركة في انتخابات عام 2015، كان شعارها أنّها ستكون القوة الثالثة في الساحة السياسية الإسرائيلية، ورفعت سقف التوقعات للنّاخبين العرب ممّا يمكن تحصيله من العمل السياسي في البرامان الإسرائيلي؛ في حين أن الواقع لم يكن واضحًا فيه كيف يمكن أن تؤثر زيادة عدد الأعضاء والأحزاب العربية في الكنيست، الّتي كانت تاريخيًّا ضمن المعارضة، ودون وضوح شكل التّأثير المرجوّ والبرنامج السّياسيّ الممكن والمتاح؛ واعتبر أنّ شعار التّأثير ما زال قائمًا، إلّا أنّ التأثير المتوقّع وسقفه يتمّ خفضه في كلّ مرّة، في ظلّ يهوديّة الدّولة وازدياد قوّة اليمين، وانغلاق الحيّز السّياسيّ وما يمكن أن يقوم به الفلسطينيّون داخل الكنيست، فيما تتمّ ملاحقة الحركات السّياسيّة الفلسطينيّة مثل الحركة الإسلامية الشّماليّة؛ وهو ما يطرح تساؤلًا حول أيّة قدرة للقائمة المشتركة للتأثير على الواقع الفلسطينيّ فعليًّا.

وبيّن  سلطاني أنّ نهاية التّوصية على غانتس، الّتي خرقت بها القائمة المشتركة خطًّا أحمر في السّياسة الفلسطينيّة، كان نهج أحد أعضائها وهو منصور عبّاس في “التأثير على نتنياهو من الخارج”، وهي أيضًا ساهمت في الوصول لزيادة التمثيل العربي في الأحزاب الصهيونيّة؛ وأوضح أنّ المطالبة بالمساواة في دولة لا تعترف بالمساواة في قانونها، هي بمثابة شعارات وهميّة، متسائلًا حول تأثير القائمة المشتركة على قضايا هامّة مثل قضيّة العنف والجريمة المنظّمة، في ظلّ منظومة استعماريّة لا تتعامل، هي وأجهزتها، مع العربيّ إلّا كأقليّة مستعمَرَة.

وطرح سلطاني قضيّة أخرى هي صنميّة التأثير، عبر زيادة التّمثيل السّياسيّ في الكنيست، لقائمة مشتركة مرتكزة على وحدة هشّة ومتجنّبة الكثير من القضايا بالتّغاضي عن الكثير من الاختلافات والخلافات بين الأحزاب الأربعة، بينما يظهر الانقسام الحاليّ إثر الخلاف على نهج التأثير وليس خلافًا أيديولوجيًّا؛ ولخّص قائلًا إنّ “غياب المضمون يعني أنّ التّمثيل النّيابيّ يصبح غايةً في حدّ ذاته وليس وسيلة لتحقيق هدف آخر، والسّلوك السّياسي يصبح مبنيًّا على الحدّ الأدنى المشترك، وتهميش الأيديولوجيا”. أمّا القضيّة الثّالثة الّتي تعتبر جزءًا من أسباب تفكّك القائمة المشتركة، فهي النّقاش الاجتماعي الّذي فرضته القائمة الموحّدة، وقد اعتبر سلطاني أنّ سببها أصلًا وهم الوحدة الّذي خلقته القائمة المشتركة بوحدتها الفضفاضة والمتجنّبة للقضايا الأيديولوجيّة، موضحًا أنّ القانون المختلف عليه أصلًا يتعلّق بطريقة علاج أثبتت علميًّا أنّها تؤدّي لانتحار بعض الأشخاص؛ واعتبر سلطاني أنّ هدف افتعال الموحّدة لهذا النّقاش الاجتماعيّ هو محاولة تبرير الانشقاق عن المشتركة والخروج عن الوحدة؛ والإلهاء والتّشتيت عن أهمّيّة المساواة مع نتنياهو، وملء الفراغ الّذي خلّفه تهميش السّياسة، معتبرًا أن خطورة نهج الموحّدة يكمن أوّلًا في خلق الفتنة لأغراض انتخابيّة، وإخضاع السّياسة لمعايير التّجارة والمساومة التّجاريّة.

 

هواري: تمثيل النّساء ليس حجّة مقبولة للتّرشّح في أحزاب صهيونيّة

 

وتناولت د. عرين هوّاري قضيّة الخطاب الاجتماعي للقائمة المشتركة والقائمة الموحّدة الإسلاميّة، معتبرةً أنّ القائمتين الإسلاميّتين (الجنوبيّة والشّماليّة) أمينتان لمشروعهما الاجتماعيّ، في حين لا تبذل الأحزاب “العلمانيّة” (التجمّع والجبهة) نفس القدر من الأمانة والالتصاق بمشروعيهما الاجتماعيّين.

وحول التّمثيل العربيّ في الأحزاب الصّهيونيّة أكّدت هواري أنّ الأحزاب الصّهيونيّة، حتّى تلك الّتي تطلق على نفسها صفة اليساريّة، لم تألُ جهدًا في أيّة معركة انتخابيّة في موقعة نفسها على الخارطة الصّهيونيّة، عبر شعارات مختلفة تؤكّد على انتمائها الوجدانيّ للصّهيونيّة؛ معتبرةً أنّ من العبثيّ أن نحتاج لشرح ماهيّة هذه الأحزاب الّتي انضمّ لها بعض المرشّحين العرب؛ موضحةً أن هذه الأحزاب مهما كانت أمينةً لثوابتها عند ترشيحها مواطنًا يهوديًّا ضمن مرشّحيها، إلّا أنّها يمكن أن تتنازل عن  هذه الثوابت عند ضمّها مرشّحًا عربيًّا؛ مستنكرةً تصريحات عديدة طرحها مرشّحون عرب في أحزاب صهيونيّة، معتبرةً أنّ التّعامل مع الفلسطينيّ كمرشّح هو تعامل مهين، ينطلق من فكرة أنّ الفلسطينيّ العربيّ متخلّف. وتناولت في هذا السّياق ترشيح النّساء وتوظيفه ضمن السّباق الانتخابيّ والسّياقات المختلفة الّتي لا تخدم في جوهرها قضيّة المرأة، ولا يخدم وجود المرأة فيها قضيّةً إنسانيّة حقيقيّة؛ مثلما تفعل الأحزاب الصّهيونيّة مع النّساء العربيّات، مؤكّدةً أنّ محاربة التّمثيل في الأحزاب الصّهيونيّة ليست محاربةً لتمثيل النّساء.

 

صراع سلطويّ بين الأحزاب الصهيونية

 

 

وخصّصت النّدوة فقرةً لطرح أسئلة من الجمهور. وبدأت بسؤالين موجّهين للصّحافي نضال وتد، الأوّل حول إمكانيّة انتخابات خامسة قريبًا، فاعتبر أنّها مسألة غير قابلة للجزم أو القطع. والثّاني حول القضايا الخلافيّة بين الأحزاب الإسرائيليّة، حيث أوضح أنّ الأحزاب الإسرائيلية تنقسم إلى ثلاثة معسكرات: الأوّل اليمين العلماني الّذي يدّعي مواصلة طريق جابوتنسكي، والثّاني هو اليمين الدّيني الحريدي الّذي لا يؤمن بالصّهيونيّة بل يعتبرها أداةً لإقامة الدّولة اليهوديّة وهي أحزاب لا تهتمّ إلّا بالقضايا الّتي تخصّ المجتمع الحريديّ، أمّا التّيار الثالثّ فهو اليمين الدّيني الصّهيونيّ الاستيطاني الّذي يجمع بين الصّهيونيّة والدّين، وأعضاء هذا التيار هم من يعتبرون أنّه يجب أن يكون الوجود اليهوديّ مرتبطًا بالوعد التّوراتيّ بإسرائيل الكاملة؛ وأوضح أنّ الخلاف بين هذه التّيّارات بشكل رئيسي بين العلمانيّين وغير العلمانيّين هو حول علاقة الدّين والدّولة وهي مسألة لم تحسم بالقانون، أمّا في الخلاف بين مؤيّدي نتنياهو ومناهضيه فهو خلاف مع شخصه وفساده وفي أن يكون ممثّلًا سلطويًّا لليمين. في المقابل، طرح يائير لبيد نفسه على أنّه حزب وسط- يمين، وهو يعتمد بطرحه الأساسي على طرح علمانيّ وتقييد الحريديّين ومساواتهم في الواجبات مع جميع المواطنين؛ إذن، فالخلافات بين الأحزاب الصّهيونيّة لا تتعلّق بالنّزاع الفلسطيني- الإسرائيليّ بل هو حول مسائل تتعلّق بتداول السّلطة.

 

اختزال النضال بالتّمثيل السّياسي أدّى لنسيان التنظيم

 

من ثمّ طرح سؤال عن الخطاب والمشروع الغائب لدى القائمة المشتركة والّذي من شأنه أن يمنع وهم وصنميّة التّمثيل اللذين طرحهما سلطاني في مداخلته؛ فأوضح مجيبًا أنّ التّركيز على التّمثيل السّياسي والتّركيز على مفهوم التأثير فقط داخل الكنيست يؤدّي إلى تهميش التّنظيم، أي تنظيم الأقليّة الفلسطينيّة في الدّاخل خارج البرلمان؛ واعتبر أنّ نقاش المشاركة في الانتخابات والمقاطعة يظهر أنّ من يؤيّدون الانتخابات يعتقدون أنّ طريقة التأثير الوحيدة على السياسة هي من خلال الكنيست، بينما يرى المقاطعون أنّ طرق الشرعنة الأساسية للدولة هي الانتخابات، مشيرًا إلى أنّ هناك طرق شرعنة أخرى لوجود الاحتلال سوى التّمثيل ويجب الحديث عنها، كما أنّ هناك طرق أخرى للتأثير عدا عن التمثيل البرلماني، خاصّةً في ظلّ تزايد العنف، والفقر في المجتمع، مثل نقاش تحويل لجنة المتابعة إلى جسم تمثيلي منتخب للعرب الفلسطينيّين في الدّاخل، موضحًا أنّ ظهور القائمة المشتركة أدّى لتهميش لجنة المتابعة، في ظلّ اضمحلال دورها فعلًا واختزالها له بمبادرات رمزيّة. واعتبر سلطاني أنّ التركيز على التمثيل السياسي أدّى إلى غياب الزّخم الشّعبيّ الّذي نحتاجه كأقليّة، إلى جانب تنظيم النّاس، والتّكافل والتّضامن الاجتماعيّ، بدلًا من الاستعراض في أروقة الكنيست.

 

الانحياز للعدالة مطلب مهنيّ في الصّحافة

 

وحول إتاحة بعض وسائل الإعلام العربيّة لممثّلين عن الأحزاب الصّهيونيّة الحديث والتوجّه للفلسطينيّين بشرعنة جليّة، اعتبرت عرين هواري أنّ الانحياز للعدالة في الصّحافة ينبغي أن يكون أحد معايير المهنيّة، مشيرةً إلى تأتأة الصّحافيّين الفلسطينيّين وحيادهم لدى محاورة ممثّلي الأحزاب الصّهيونيّة وخطابهم، مقارنةً بعدم مهادنة الصحافيّين الإسرائيليّين لدى محاورة أيّ فلسطينيّ.