اللّغة العربيّة؛ هاجسٌ عشقيٌّ سكن الرّاحلة الدّكتورة روضة بشارة – عطا الله ورافقها أمدًا طويلًا، حتّى آخر أيّامها، في كافّة المواقع والأدوار الّتي شغلتها وأدّتها خلال سنيّ حياتها، ثقافيّةٍ، وسياسيّةٍ، واجتماعيّة؛ موظفةً جهودًا جبّارةً احتفاءً بها، وحمايةً وتطويرًا لها. هاجسٌ أجّجتهُ ظلمة الواقع الاستعماريّ في فلسطين عمومًا، والدّاخل الفلسطينيّ المحتلّ عام 1948 خصوصًا، والّذي بمحاولات محقه وتبديده الجماعة الفلسطينية، تشريدًا لها أولًا، وهدمًا لمراكزها ومؤسّساتها الحضاريّة والثّقافيّة، ومختلف سياقاتها الحياتيّة، ثمّ بالإمعان في تشويه وعي وهويّة من تبقى منها من خلال المناهج، والإعلام، والخطط السّياسيّة والأمنيّة، أتى على العربيّة محقًا وتبديدًا وتشويهًا أيضًا.

أدركت د. بشارة – عطا الله، تمامًا، العلاقة الجذريّة العميقة والمركّبة بين اللّغة العربيّة ووعي الإنسان الفلسطينيّ، وهويّته الفرديّة والجمعيّة، ووجوده وبقائه الكيفيّين في وطنه؛ معتبرةً إيّاها مجالًا نضاليًّا لمقاومته الاستعمار الإسرائيليّ وسياساته، وسبيلًا لحفظ لُحْمَتِهِ الوطنيّة، وَوَصْلِهِ، من قلب سجنه الكبير، مع فضائه وموروثه الحضاريّ، العربيّ والإسلاميّ؛ وقد التقت في ذلك مع زوجها، العالم اللّغويّ، د. إلياس عطا الله، ليسيرا معًا، بخطًى مدروسةٍ وثابتةٍ على هذا الدّرب، الشّائك الشّائق.

نظّمت د. بشارة عطا الله عشرات المشاريع والبرامج خدمةً للّغة العربيّة، في إطار عملها مديرةً لجمعيّة الثّقافة العربيّة في النّاصرة، وموقعها السّياسيّ القياديّ في صفوف الحركة الوطنيّة في الدّاخل الفلسطينيّ؛ ويعتبر إنجازها الأكبر في هذا المجال أنّ خدمتها للعربيّة لم تُحصَرْ داخل أسوار المؤسّسات وفي بطون الأبحاث والدّراسات العلميّة الّتي تستهدف أساسًا النّخب والخواصّ، وهو الغالب في العالم العربيّ، بل تجاوزت ذلك نحو الحيّز العامّ، الشّارع وناسه، على اختلاف شرائحهم.

لقد دفعها إيمانها بأنّ حيويّة اللّغة، أيّ لغة، وتطوّرها وفاعليّتها وإشراقها، مرتبطٌ بمدى حضورها في سياقاتٍ ومناخاتٍ حياتيّةٍ تحتضنها، تتناولها ويتعامل أفرادها فيما بينهم وينتجون بها، تمنحها الحياة، دفعها إلى جعلها، أي العربيّة، حاضرةً بقوَةٍ في كافّة المشاريع والبرامج، والأنشطة والفعاليّات الّتي نظّمتها وأشرفت عليها، إن كانت تلك المتعلّقة بالتّربية والتّعليم والمناهج، أو الآداب والفنون، أو التّنظيم والفكر السّياسيّين، أو العمل الشّبابيّ والطّلّابيّ، أو العمل البلديّ، أو المشاريع المتعلّقة بمعرفة الوطن والعمارة العربيّة الإسلاميّة، أو المخيّمات الصّيفيّة، وغيرها.

مشروع اللّغة العربيّة في اللّافتات

– أرّق إهمال العربيّة وتشويهها في الحيّز العامّ، وغيابها من فضاء الإنسان الفلسطينيّ البصريّ في الدّاخل د. بشارة – عطا الله؛ إهمالٌ وتشويهٌ وغيابٌ تتجلّى بوضوحٍ في كثيرٍ من لافتاتِ مداخل القرى والمدن العربيّة، ومؤسّساتها العامّة ومحلّاتها التّجاريّة، فتوجّهت من خلال جمعيّة الثّقافة العربيّة للجنة المتابعة العليا للجماهير العربيّة، واللّجنة القطريّة للسّلطات المحليّة العربيّة، وأعضاء “الكنيست” العرب، والأحزاب السّياسيّة العربيّة، كي تستخدم السّلطات المحليّة صلاحيّاتها القانونيّة وتقرّ قانونًا مساعدًا يفرض استخدام العربيّة في كلّ اللّافتات المحليّة، داعيةً إلى توحيد الجهود وتكثيفها في سبيل إنجاح هذا المشروع، وعارضةً تقديم الاستشارة اللّغويّة والقانونيّة. وقد استجاب عددٌ من السّلطات المحليّة للتّوجّه، كان آخرها بلديّة شفاعمرو المنتخبة حديثًا (2013).

إنجازٌ تربويّ

– حقّقت جمعيّة الثّقافة العربيّة عام 2012 إنجازًا تربويًّا لافتًا، حيث اعترفت وزارة المعارف الإسرائيليّة، خلال جلسةٍ خاصّةٍ للجنة التّعليم البرلمانيّة، بادر إليها النائب د. جمال زحالقة بطلبٍ من جمعيّة الثّقافة، ودعم الكتل العربيّة في “الكنيست”، تناولت “وضع معايير واضحة لإقرار كتب التّدريس العربيّة، والتّشديد على مضامين تربويّة ولغويّة سليمة”، اعترفت بالأخطاء اللّغويّة في كتب تدريس العربيّة، وأعلنوا عن إلغاء الكتب المشار إليها في بحثٍ أشرفت عليه جمعيّة الثّقافة، أجراه د. إلياس عطا الله، إلى أن يجري تصحيحها، وإقامة لجنة رسميّة لتحديد معايير مهنيّة لتصديق الكتب، وتعيين مفتّشٍ مركّزٍ لموضوع اللّغة العربيّة.

وقد كشف البحث الّذي أُجريَ ضمن مشروع “المناهج والهويّة” في جمعيّة الثّقافة، بدعمٍ من مؤسّسة “التعاون”، وراجع خلاله د. إلياس عطا الله 31 كتابًا تدريسيًّا رسميًّا في شتّى المواضيع، وجاء في 227 صفحة، عن معطياتٍ خطيرةٍ حول الأخطاء اللّغويّة والإشكاليّات المضامينيّة الجوهريّة في كتب التّدريس المقرّة من وزارة المعارف، للصّفوف من الثّالث إلى الثامن، وبيّن وجود أكثر من 16000 خطأ لغويّ، وأكّد على وجود منهجيّةٍ واضحةٍ لتشويه الهويّة الوطنيّة والثقافيّة – الحضاريّة للطّالب العربيّ.

وكانت جمعيّة الثّقافة قد كشفت قبل ذلك، عام 2008، في بحثٍ شبيه حول كتب الطّفولة المبكرة، عن وجود 4000 خطأ في كتب تدريس الصّف الثّاني وحدها!

سبق هذا الإنجاز مسارٌ طويلٌ من العمل المكثّف، تضمّن عقد مؤتمرٍ حول “المنهاج والهويّة” (النّاصرة، 2011)، ولقاءٌ تربويٌّ تعليميٌّ حول الأخطاء في كتب التّدريس العربيّة (كفر ياسيف، 2011)، ولقاءٌ حول الموضوع نفسه في مسرح الميدان بحيفا (حيفا، 2011)، وقد شارك في اللّقاءات وحضرها عددٌ كبيرٌ من المختصّين، والتّربويّين، والسّياسيّين، وممثّلي المجتمع المدنيّ، وأولياء الأمور. أطلقت جمعيّة الثّقافة في إطار المشروع، كذلك، عريضةً لأولياء الأمور، عُنْوِنَتْ بـ “أطفالنا يغرقون في أخطاء كتب التّدريس” (2011)، تُطالبُ بإلغاء الكتب الدّراسيّة الّتي تعجّ بالأخطاء اللّغويّة، والعمل على وضع كتبٍ جديدةٍ ذات لغةٍ سليمةٍ ومنهجٍ تربويٍّ معاصر؛ وقامت جمعيّة الثّقافة العربيّة بعشرات المكاتبات مع الجهات المعنيّة حول الموضوع، وعلى رأسها وزير المعارف، ومراقب الدّولة، والمستشار القضائيّ للدّولة، ورئيس قسم المعارف العربيّة، وغيرها.

دوراتٌ تخصّصيّة

نظّمت جمعيّة الثّقافة العربيّة، بإشراف الدّكتورة بشارة – عطا الله، عددًا من الدّورات التّخصصيّة حول اللّغة العربيّة، من بينها:

* دورتان في الخطّ العربيّ ومهارات الكتابة للنّاشئة، عُنْوِنَتْ بـ “حسّن خطّك” (2012)، قدّمها الخطّاط أحمد زعبي، وشارك فيها 36 تلميذةً وتلميذًا من مدرستيّ “الابتدائيّة – يافة الناصرة (أ)” و”المسيح الإنجيليّة – النّاصرة”، أمّا مضامين الدّورتين فشملت بالإضافة إلى التّدريبات التّطبيقيّة التّعرّف على تاريخ الخطّ العربيّ ومراحل تطوّره، وأدوات الكتابة مثل القصب والحبر والورق، وهندسة الحروف وقواعد وموازين كتابتها، والفرق بين الاستعمال اليوميّ والفنيّ، والوقوف على أعمال خطّاطين قدماء ومعاصرين.

* “دورةٌ في التّدقيق اللّغويّ” (2010 – 2011)، عقدت في مقرّ الجمعيّة بالنّاصرة، مدّتها 56 ساعةً أكاديميّةً؛ شارك فيها خمسةٌ وعشرون مشاركًا ومشاركةً، جلّهم من العاملات والعاملين في الصّحافة والتّحرير والإعداد الإعلاميّ، بالإضافة إلى أكاديميّين وباحثين وأساتذة في قطاع التّربية والتّعليم. وقد تنوّعت مضامين الدّورة، والّتي قدمّها د. إلياس عطا الله، إذ تطرقت إلى أهمّ الأخطاء الشّائعة، وأبرز المشاكل والأسئلة التي تواجه المهتّمين بالكتابة الصّحافيّة والأدبيّة والعلميّة، وبُحِثَتْ فيها قضايا ذات صلة بالصّرف والنّحو والإملاء القياسيّ، وخصوصًا الهمزات وعلامات التّرقيم، وأسلوبيّات الكتابة المعاصرة، والدّلالات اللّغويّة، وآثار العبريّة واللّهجات المحكيّة في اللّغة العربية الفصيحة.

* “دورةٌ في العربيّة المعياريّة السّليمة للإعلاميّين” (2005)، مدّتها 36 ساعةً أكاديميّةً، تناولت أساسيّات علوم اللّغة العربيّة، ومسائل في النّحو والصّرف، واستعمال اللّغة المحكيّة الفصيحة، وتيسير الإملاء؛ وقدّمها د. إلياس عطا الله.

* “دورةٌ في اللّغة العربيّة وتيسير تدريس إملائها وقواعدها” (2004)، مدّتها 56 ساعةً أكاديميّة، تضمّنت مقدّمةً حول اللّغة ومستوياتها، واللّغة بين العبرنة والتّعبرن، ودور المؤسّسة المدرسيّة بأقسامها في الشّأن اللّغويّ؛ وتضمّنت أيضًا محاضراتٍ في الإملاء وعلم الأصوات، والنّحو العربيّ، والبلاغة الأسلوبيّة، والصّرف العربيّ وعلم الاشتقاق، وموضوعاتٍ أخرى.

* “دورةٌ في اللّغة العربيّة وآدابها” (2003)، استهدفت جمهور المعلّمين أساسًا، مدّتها 40 ساعةً أكاديميّة، وقد تنوّعت مضامينها بين الأدب، واللّسانيّات، والبلاغة، وعلم الأوزان، والنّقد الأدبيّ الحديث. وقد قدّمت الدّورة نخبةٌ من الأخصّائيّين، هم: بروفيسور جورج قنازع، والدّكتور إلياس عطا الله، والأستاذ حنّا جبران، والدّكتور فهد أبو خضرة، والأستاذة دينيس أسعد، والأستاذ حنّا أبو حنّا، والدّكتور محمود غنايم.

مؤتمراتٌ وندواتٌ

نظّمت جمعيّة الثّقافة العربيّة، بإشراف الدّكتورة روضة بشارة – عطا الله، عددًا من المؤتمرات والأيّام الدّراسيّة حول اللّغة والأدب العربيّين، أبرزها:

* ندوةٌ حول “امتحان اللّغة العربيّة للمتقدّمين بطلبات عملٍ في جهاز التّربية والتّعليم” (2010)؛ عُقِدَت بالتّعاون مع لجنة أولياء الأمور العامّة في سخنين، وتحدّث فيها كلٌّ من د. روضة بشارة – عطا الله، ود. إلياس عطا الله، ود.أيمن إغبارية، والبروفسور محمّد أمارة، والمحامية لينا أبو مخ – زعبي، ورئيس لجنة أولياء الأمور في سخنين حسين خلايلة، ورئيس بلديّة سخنين مازن غنايم. وقد حضر النّدوة مختصّون، وتربويّون، وأولياء أمور، وسياسيّون، كان على رأسهم النّائب مسعود غنايم، ابن مدينة سخنين المستضيفة.

* مؤتمر “تعلّموا العربيّة وعلّموها النّاس” (2009)؛ عُقِدَ في مدينة النّاصرة بالتّعاون مع الاتّحاد القطريّ لأولياء أمور الطّلاب العرب، وعُرِضَت خلاله نتائج دراسةٍ تفصيليّةٍ ودقيقةٍ أجرتها جمعيّة الثّقافة العربيّة مستعينةً بمجموعةٍ من المختصّين، حول كتب تعليم العربيّة لجيل الطّفولة المبكرة حتّى الصّفّ الثّاني، حيث بناء الأساس، ودراسة كتب الأطفال – موضوعًا ولغةً، والتّحديات الّتي تواجه المعلّم/ ة والقارئ الصغير. وتحدّث في المؤتمر كلٌّ من: د. روضة بشارة – عطا الله؛ والأديب حنّا أبو حنّا؛ والأستاذ زاهي سلامة؛ ورئيس الاتّحاد القطريّ لأولياء أمور الطّلّاب العرب، معين عرموش؛ والأستاذة نادرة يونس؛ والأستاذة روزلاند دعيم.

وقد أقيم خلال المؤتمر معرضٌ لكتب الأطفال، شمل 80 كتابًا اختيرت من بين 384 كتابًا صدرت في البلاد؛ وقد جرى الاختيار وفق معايير وضعتها مجموعةٌ من المختصّين، وذلك بعد مسحها بهدف الاطّلاع على المستوى العامّ لأدب الأطفال من جهة القيم والأفكار، وسلامة اللّغة، والشّكل والرّسوم، والمضمون الهويّاتيّ.

* مؤتمر “في اللّغة وأدب الأطفال” (2008)؛ عُقِدَ في مدينة سخنين بالتّعاون مع بلديّتها، وتناول مداخلاتٍ عدّة، هي: طموحات الأهل في موضوعة تعليم اللّغة العربيّة في المدارس العربيّة (معين عرموش)؛ واللّغة الفنيّة في خدمة أدب الأطفال (روزلاند دعيم)؛ وأهداف الأدب بين التّنوير القرائيّ وبلورة الهويّة (نادرة يونس)؛ وقصص الأطفال بين التّعليم والإبداع (زاهي سلامة)؛ والعوامل النّفسيّة والشّعر في أدب الأطفال (فاضل علي). وقد قدّمت الدّكتورة روضة بشارة عطا الله، كلمةً حول مشروع “تعلّموا العربيّة وعلّموها النّاس” في جمعيّة الثّقافة العربيّة.