اختتمت جمعيّة الثّقافة العربيّة في مطلع الأسبوع ورشةً في الكتابة الأدبيّة السّرديّة ما بعد الحداثيّة حول موضوع الأنا والجماعة في الكتابة وتيّار الوعي في النّص، تحت عنوان “أنا.. هم.. أنا” قدّمها الكاتب الفلسطيني راجي بطحيش على مدى الشّهرين الماضيين عبر لقاءات رقميّة.

وتخصّصت الورشة في الكتابة عن الذاكرة وما بعد الذاكرة (Post-Memory) والوعي والوعي المزيف وأدوار الراوي المختلفة في النص السردي من خلال أدوات فنيّة ما بعد حداثيّة، وشملت بين جملة الأمور: التفكيك، القطع، التهكّم، السرياليّة، العبث، النظرة والتعبير السوداويّ، الزمن غير الخطّي، الهلوسات، اجتياح الماضي للحاضر، وعي ما بعد الصدمة، التناص وغيرها. وجرى التطرّق بشكل موسع إلى سيرورات تشكيل الوعي في الكتابة وتأثيرها على مبنى النص السردي.

وقالت المشاركة في الورشة، هبة طبلج: “من خلال مشاركتي اكتسبت مهاراتٍ جديدةً لتطويرِ نُصوصي، فلمستُ نضوجًا معيًنا بدأ يظهرُ في كتابتي التي تشكّلت بواسطةِ إثرائها باستخدام تقنيّاتٍ مُتنوّعةٍ، ومع نهايةِ الورشةِ بدأت أرى طُرقًا جديدةً في الكتابةِ فُتحت أمامي بإمكاني تجريبها، صقلها وتنميتها مُستقبلًا. ما ميّز الورشة بالنسبةِ لي أنها لم تكن تقليديّةً تلقينيّةً بل حرصت على دعمِ إبداعاتِ المشاركين بواسطةِ تطويرِ نصوصِهم السّرديّةِ الخاصّةِ بعدَ رحلاتِ بحثٍ وتنقيبٍ في عالمِهم الدّاخليِّ الدّفينِ بالتّوازي مع تحفيزِ وتنميةِ مخيّلتِهم؛ كذلك استطاعت سلسلةُ اللّقاءاتِ عن بُعد أن تجمعَني بمشاركين من مناطقَ وخلفيّاتٍ مختلفةٍ فكان مُحتوى النّقاشاتِ حولَ نصوصِهم متنوّعًا غنيًّا”.

أمّا المشارك إيهاب بحوث فقد اعتبر أنّ الورشة ساعدته في الكشف عن حاجته “لموجّه يرشدني إلى تطوير أسلوبي ويفصل خلط المصطلحات الأدبية التي اكتسبتها من تثقيفي لذاتي، والأهم يشاركني تجربته وصيرورته الكتابية”، وأوضح أنّه “من لقاء إلى آخر خلال الورشة، أدركت أهمية انضباط الكاتب ببعض القيود التي بإمكانها تحرير قلمه وإطلاق عنان الإبداع الذي يحتاجه كل فرد منا؛ كذلك، ومن خلال الورشة، ركز بطحيش على الدّلالة الحداثيّة وعرّفنا على مفهوم الكتابة التفكيكية، وأتى بنماذج عصريّة من النّصوص والسّينما، لنحاول فهم التّراكم الثّقافي في الأدب العالميّ عامّةً والأدب العربيّ خاصّةً؛ وعبر هذه اللقاءات وجدت نفسي خلال الورشة أكتب أكثر وبأريحية، وأستخدم ذاكرتي بصيغة مفككة”. واعتبر بحوث أنّه “من المؤكد أن المبدع في حاجة ماسّة لإطار آمنٍ لصقل ما في داخِلِه من أدب، فقط عن طريق المشاركة والتمرين، استطعت أن أكسر حاجز الكتابة؛ وهذا ما أمنته لي جمعية الثقافة العربية من خلال مبادرتها في إقامة الورشة وحرصها على اختيار كاتب فلسطينيّ مميّز بإمكانه فهم تخبّط كاتب في بداية طريقه” معتبرًا أنّ الجمعيّة “نجحت في خلق إطار أدبيّ يحتوي أفكاري ويساعدني على إعادة النظر في شكوكي حول الكتابة”.

ورأت المشاركة في الورشة، جوانا شاما، أنّ الورشة “سخرّت تقنيات فعّالة وحقيقيّة لعمليّة الكتابة السرديّة، إذ أنّ طُرُق تمرير النصائح للكتابة كانت شيّقة، بينما كان شرح المواضيع المركبة سلسًا وليّنًا وهو ما يعود لإرشاد الكاتب بطحيش، الّذي أعطى كُل مشترك حقّه وحافظ على صراحته ونقده البنّاء، ساعيًا لتطوير النّصوص بشكل مهنيّ وحِرفيّ”. وشكرت شاما جمعيّة الثّقافة على الورشة الّتي “خلالها تعرفت رغم البعد الجغرافي على كتّاب وكاتبات صاعدين من الوطن العربي؛ كانت هذه التجربة استثنائية وحتمًا من إيجابيّات الكورونا، وأترقّب بشدة مبادرات مشابهة في المستقبل”.

واعتبر ميسّر الورشة، الكاتب راجي بطحيش، أنّها “كانت من أنجح الورشات التي وجهتها، وقد يكون عصر الكورونا والزووم قد ساهما إيجابيا في ذلك، حيث وفرت تقنية الزووم تنوعًا كبيرًا في هويات المشاركات والمشاركين، ونظراتهن/م الوجودية واقتراحاتهن/م الجمالية والسردية، وقد كان التجاوب مع التحدّيات الّتي وضعتها أمامهم رائعًا ومفاجئًا ونضرًا وغير متجانسٍ إضافة إلى الانفتاح الكبير على تدريبهم على شدّ حدود اللّغة نحو أقصاها وتطوير الأدوات السردية والجمالية، وأشكر جمعية الثقافة العربية على هذه المبادرة وحسن التنظيم على الرغم من الظروف والتحديات، وآمل أن ينطلق المشاركون في عالم الكتابة والنشر على أفضل أشكاله”.

بطحيش هو كاتب وباحث ثقافي ومترجم من الناصرة، ومحاضر جامعي لمساقي السينما الفلسطينيّة، تاريخ السينما الإسرائيليّة. ويُقدّم ورشات كتابة قصصيّة لطلاب العلوم الإنسانيّة والأدب في الجامعة المفتوحة، وهو رئيس تحرير موقع “أنبوب” للأدب الشاب الراديكالي. صدر له عدد من المجموعات الشعريّة والقصصيّة والروايات كان آخرها “الشّقة في شارع باسي” عام 2020. وشارك في عدد من الأنطولوجيات باللغات العربيّة والعبريّة والإنكليزيّة والفرنسيّة.

وقال مدير المشاريع في جمعية الثقافة العربية ربيع عيد، إن  ورشة الكتابة السردية تأتي ضمن سلسلة ورشات في الكتابة الثقافية نفّذتها جمعية الثقافة العربية خلال السنة الأخيرة، مثل ورشة كتابة نصوص ستاند أب كوميدي، ورشة كتابة أدبية لطلاب المدارس، وورشة كتابة المقال الصحافي، وورشة كتابة فن النصوص المنطوقة محكيات، وورشة في الكتابة الشعرية.

وأضاف عيد أن للورشة أهمّيّة كونها وفّرت مجالًا لعدد من الأشخاص الذين يمارسون الكتابة ويسعون لتطوير أنفسهم، مكانًا يستطيعون فيه الالتزام من خلال اللّقاءات الأسبوعية، بالعمل على نصوصهم واكتسابهم لأدوات ومعرفة جديدة، خصوصًا أن الورشة تمحورت حول الكتابة السرديّة ما بعد الحداثية.

وخلص عيد إلى القول إلى أن المشاركين أنتجوا مجموعة من النصوص خلال الورشة، وسوف تُنشر قريبًا ضمن تعاونات مع مجلات ثقافيّة، وهو أمرٌ تدأب عليه جمعية الثقافة العربية عبر إنجاز منتج نهائي لكل ورشة.