نظّمت جمعيّة الثّقافة العربيّة مساء أمس، الأربعاء، ندوة حول آفاق الحراك الشّعبيّ ضدّ العنف والجريمة، ضمن ندوات “حديث الأربعاء” استضافت خلالها مجموعة من النّشطاء في الحراكات ضدّ العنف תיע’

وافتتح ميسّر النّدوة، مصطفى ريناوي، اللّقاء مرحّبًا بالمشاركين، وهم كلٌّ من النّاشطة راية منّاع من مجد الكروم، والصّحافيّ أنس موسى، والنّاشط والباحث وئام بلعوم، والصّحافيّ وائل عوّاد. واستعرض ريناوي أحداث العنف الّتي شهدتها البلدات العربيّة منذ بداية العام، والّتي ساهمت في خلق حراك مناهض للعنف وتنظيم مظاهرات قطريّة ومحلّيّة خلال الشّهرين الأخيرين، منذ مقتل الشّاب سليمان مصاروة، وبعده الشّاب أحمد حجازي الّذي لقي مصرعه برصاص الشّرطة.

يمكن مشاهدة الندوة عبر الرابط

بلعوم: السّياسات الإسرائيليّة إزاء المجتمع العربي سبب رئيسي لأزمة العنف

ووجّه ريناوي سؤاله للباحث والنّاشط وئام بلعوم حول مسؤوليّة الشّرطة في محاربة الجريمة والعنف في المجتمع الفلسطيني؟ وتحدّث بلعوم حول ظاهرة العنف كظاهرة مجتمعيّة وليست فرديّة أو سلوكيّة محضة، وهي تتجاوز في المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل، على الأقلّ في منحنى القتل، أربعة أضعاف الجرائم في مناطق السلطة الفلسطينية. وأوضح بلعوم الّذي يعمل ضمن مجموعة مع جمعيّة “بلدنا” خلال السنتين الماضيتين على بحث متعمّق في أسباب العنف، يحاول فهم ظاهرة العنف بأبعادها السّوسيولوجيّة والسّياسيّة وغيرها، أنّه وفقًا لما أظهره البحث الّذي شمل عشرات المقابلات مع أشخاص من خلفيّات متنوّعة حتى الآن، فإنّ العنف القائم في المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل، متأثّر بشكل مباشر من السياسات العامة الإسرائيليّة، موضحًا أنّ المجتمع متأثّرٌ بثلاثة أبعاد أساسيّة: الأوّل هو السّياسات الحكوميّة المتّبعة فيما يتعلّق بالمجتمع؛ والثّاني هو المجتمع عينه والحراك داخله، والثّالث هو الجهات الفاعلة في المجتمع، كالحركات الاجتماعيّة والأحزاب السّياسيّة أو القوى الدينية فيه.

وشرح بلعوم تأثير السّياسات الإسرائيلية على زيادة العنف وتفشّي الجريمة في المجتمع الفلسطيني، موضحًا أنّ سياسة مصادرة الأراضي وتضييق المساحة على البلدات العربيّة خلقت حالة من التّكدّس غير المخطّط، في ظلّ الزّيادة السّكّانية الطّبيعيّة، ومع زيادة الطّلب على الأراضي والمساحة، وانحسار المساحات القابلة للاستخدام، بدأت تظهر بعض المشاكل بين أفراد المجتمع كنتيجة لهذه الأزمة؛ كذلك بيّن أنّ سياسة الشرطة في التعامل مع الأسلحة ووجودها في المجتمع العربيّ ساهمت في زيادة العنف، فالشرطة الّتي كانت تتعامل مع القضيّة بجدّيّة وشدّة، بدأت بعد الانتفاضة الثّانية تتعامل مع القضيّة وفقًا للضّحيّة المحتملة المستهدفة لهذا السّلاح، بالتّالي تساهلت مع حاملي الأسلحة الّذين لا “يهدّدون أمن الدّولة”، بعكس سياستها سابقًا، والّتي كانت تتعامل مع أيّ سلاح في المجتمع العربيّ كمهدّد لأمنها.

إضافةً لما سبق، أوضح بلعوم تأثير السّياسات الاقتصاديّة الإسرائيليّة المتّجهة نحو النيوليبراليّة، والّتي ساهمت في توغّل الثّقافة الاستهلاكيّة في المجتمع، واضمحلال القيم الاجتماعيّة مقابلها، وتأثيرها على ظاهرة العنف؛ إذ إنّ السّلطات تتعامل مع المجتمع العربي كسوق استهلاكيّة لتسويق سلع لا يحتاجها الإنسان لمحاولة إعطائه قيمةً ومعنى لذاته، والأسلحة هي إحدى هذه السّلع، مقابل سياسات الترهيب والقمع الّتي تنزع المعاني الوطنيّة والدّينيّة والثّقافيّة والقيميّة عن الإنسان والفرد العربي، وهو ما يدفع العديد من الشباب الفلسطينيّين لمحاولة استمداد المعنى والقيمة الذّاتيّة من خلال العنف والجريمة. وبيّن أنّ هذه السّياسات مجتمعةً ساهمت في خلق وزيادة الجريمة المنظّمة في المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل.

موسى: الحراك الفحماويّ توحّده المطالب الواضحة

من ثمّ تحدّث الصّحافي والنّاشط أنس موسى عن المظاهرات والحراك المستمرّ في مدينة أمّ الفحم منذ مطلع العام وبعد مقتل الشّاب سليمان مصاروة في كفر قرع، وإطلاق النّار على رئيس بلديّة المدينة، والّذي بدأ بصلاة جمعة ومظاهرة شارك فيها الآلاف في مدخل المدينة، ومن ثمّ مقتل أحد المشاركين في المظاهرة في الأسبوع التّالي، وأوضح موسى أنّ هذه الجرائم ساهمت رغم بشاعتها في المحافظة على استمراريّة الحراك، خاصّةً في ظلّ محاربة الشّرطة الإسرائيليّة لهذا الحراك، الّذي أفرز عدّة مجموعات متنوّعة الأفكار والأيديولوجيّات والتّوجّهات الفكريّة، وبينها حراك “بدنا نعيش” على سبيل المثال، والّتي توحّدت جميعها في سبيل محاربة العنف، وتشكيل هيئة مستقلّة واضحة المطالب والنشاط، لتجنّب النّشاطات غير المعرّفة وعنونة الحراك وتوضيح أهدافه، وهو ما ساهم في زيادة مصداقيّة ودعم هذا الحراك من قبل أهل مدينة أم الفحم؛ والمطالبة باستقالة رئيس جهاز الشّرطة الّذي سبق أن كانت له عدّة تصريحات عنصريّة. وأكّد موسى أنّ هناك تعاملًا مختلفًا من الشّرطة مع الجرائم الّتي تحصل في المجتمع الفلسطيني مقارنةً بالمجتمع الإسرائيلي، ففي عام 2018، من أصل 520 ملفًّا لجرائم مختلفة، لم يتمّ تقديم لوائح اتّهام إلّا في 5 جرائم منها، أي بنسبة 1%. وتحدّث حول مشاركة الألتراس الفحماوي في الحراك ودعمه له، إلى جانب تشكيل رابطة المحامين الفحماويين الّتي تطوّعت للدّفاع عن المعتقلين في الحراك، داعيًا لانضمام المزيد من المجموعات مثل الأطبّاء والممرّضين ومشاركتهم في المظاهرات بلباس عملهم الّذي يشهدون به على وقائع العديد من الجرائم.

عوّاد: مهنيّة الصّحافيّ الفلسطينيّ في عدم التزام الحياد

وردًّا على سؤال ميسّر النّدوة للصّحافيّ وائل عوّاد حول أداء الصّحافة وتعاملها مع الحراك ضدّ الجريمة والعنف، اعتبر عوّاد أنّ الصّحافة الفلسطينيّة في الدّاخل تساهم بكيفية ما في تطبيع الإجرام ورسم صورة المجرم كمجهول شجاع يقوم بجريمته ولا يلقى عقابًا، خاصّة في ظل غياب التّغطية الكافية لمعاقبة المجرمين الضئيلة أصلًا، مقابل رسم صورة أهل القتيل كضحيّة ضعيفة وهو ما يمكن أن يساهم في زيادة الجرائم. ورأى عوّاد أنّ من المهمّ تحطيم صورة المجرم، عبر مقارنة تعامل السلطات والصحافة الإسرائيلية مع النشطاء الفلسطينيّين السّياسيّين، مقابل تعاملها مع المجرمين من المجتمع، والّذي يتّسم بالتّعتيم عليهم مقارنةً بتشويه صورة الفدائيّ. كذلك اعتبر عوّاد أنّ الحياد ومحاولة البحث عن “موضوعيّة” هو أمر غير مهنيّ في الصّحافة الفلسطينيّة، بل يجب أن ينحاز الصّحافيّ الفلسطينيّ لقضايا شعبه وهمومه وأن يتّخذ موقفًا مساندًا لحراكه، موضحًا أنّ الحراك عاد إلى الشّارع ولم يعد مقتصرًا على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، ومعتبرًا أنّ هذا من أهمّ معايير المهنيّة في ظلّ الظّروف الّتي نمرّ بها.

منّاع: على أيّ حراك أن يحدّد أهدافه بوضوح ويبني إستراتيجيّة للتّغيير

وحول سؤال ميسّر النّدوة عن الحراك ضدّ مركز الشّرطة في مجد الكروم والخطاب السياسي للحراك، أجابت النّاشطة راية منّاع مستعرضة بداية الحراك قبل أكثر من سنة، مع مقتل أخوين وصديقهما، أحمد وخليل منّاع ومحمّد سبع، برصاص أحد المجرمين المعروفين لجميع أهل القرية، وفي ظلّ وجود مركز للشرطة، وحينذاك توجّه أهل القرية بعد دفن الضحايا وتظاهروا أمام مركز الشّرطة في مجد الكروم، وتأسّس الحراك المجدلاوي آنذاك واستمرّ لمدّة 45 يومًا متواصلة أمام مركز الشّرطة، موجّهًا إصبع الاتّهام نحو جهاز الشّرطة الإسرائيليّة ومتّهمًا إيّاه بالتّواطؤ مع الجريمة وليس التّقاعس فقط في حلّها، موضحةً أنّ الحراك تعامل مع أبناء المجتمع الفلسطيني على أنّهم ضحايا، حتّى حاملو الأسلحة، مشيرةً إلى أنّ الظّروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي وضع هذا المجتمع تحتها أدّت إلى تحوّل أفراده إلى مجرمين. وأوضحت منّاع أنّ من المهمّ وضع برنامج سياسيّ وخطوات واضحة لعمل الحراك، معتبرةً أنّ الاعتصام وحده لا يكفي، وأنّ على الحراك أن يحدّد أهدافه وخطواته ليتمكّن من قياس وتقييم تجربته بعد مضيّ الوقت.

الحراكات وسيلة هامة

ووجّه ريناوي سؤالًا للباحث في جمعيّة بلدنا، وئام بلعوم، حول الفرق في سياسة الشّرطة في التّعامل مع الجريمة في المجتمع الفلسطيني بعد عام 2000؛ ونوّه بلعوم إلى أنّه في ظلّ وجود ماكنة إفقار وتهميش وتجهيل وسلب المعاني من الشباب الفلسطيني في الدّاخل، فإنّ الحراكات الشّعبيّة ضدّ العنف تعدّ وسيلة هامّة للضّغط على السّلطات الإسرائيليّة لمحاولة إيجاد حلول؛ وأشار إلى أنّ على الحراكات ضدّ العنف أن تحاول مأسسة العمل الجماهيريّ، في ظلّ ضعف السلطات وتقاعسها عن وضع خطّة حقيقيّة وجدّيّة وفاعلة لمحاربة العنف، مشيرًا إلى الخطة الحكومية الّتي اعتبرها “مضحكة” والّتي تنصّ على زيادة محطّات الشّرطة، وهي وسيلة أظهرت فشلها حتّى الآن، ومن الواضح أنّ الهدف من ورائها سياسيّ بحت. واعتبر أنّ ما يحصل في المجتمع الفلسطيني نابع بشكل مباشر من سلب القيم الّذي سبّبته السّياسات الّتي اتّبعتها سلطات الاحتلال منذ الانتفاضة الثّانية وحتّى اليوم، وأنّ من المهمّ أن تعود الحركات الاجتماعية والأحزاب لأخذ دورها في قيادة العمل المجتمعي والمساهمة في تقليل العنف.

وحول تجربة الحراك المجدلاوي، شرحت منّاع أنّ الشّباب والمراهقين من دوائر الخطر هم من أهمّ الفئات الّتي يجب أن تستهدفها الحراكات، نظرًا لاحتياجهم للانتماء لإطار ما يقدّم لهم الاهتمام الّذي يحتاجونه ويعطيهم قيمة ذاتيّة ومساهمة خاصّة في الشّأن العامّ مقابل الاغتراب الّذي يعيشونه في بيوتهم وفي المدرسة وفي المجتمع، بدلًا من الانخراط في عالم الجريمة؛ كذلك فإنّ وجود الحراك ضدّ العنف في مجد الكروم ربّما يكون قد ساهم بشكل كبير خلال فترة نشاطه في تخويف وردع المجرمين عن ارتكاب المزيد من الجرائم، خاصّةً وأنّه يستنفر ويُجبر سلطات دولة الاحتلال على التّعامل بجدّيّة مع قضيّة العنف.

وحول سؤال ريناوي عن الصّحافة وتحوّلها إلى شركات شخصيّة أجاب عوّاد أنّه في ظلّ المآزق المادّيّة الّتي تمرّ بها معظم المنصّات الصّحافيّة في الدّاخل الفلسطينيّ، تم خلق نمط من الصحافيين الخائفين والحريصين على مصدر رزقهم؛ وأكّد أنّ من يجب أن يتّهم بالتّقصير في حلّ ظاهرة الجريمة والعنف ليس الشّعب بل السّلطات الّتي تتواطأ مع المجرمين، موردًا عددًا من البيانات المهمّة حول القضيّة، فنسبة السلاح غير المرخّص في المجتمع العربي أكبر بـ 17.5% من المجتمع الإسرائيلي، كما أنّ 70% من السلاح الموجود في المجتمع مهرّب من مخازن الشرطة، وعلى صعيد أداء الشّرطة في حلّ القضايا، فإنّ لوائح الاتهام الّتي تقدّم في جرائم القتل في المجتمع العربي 22% مقابل 60% في المجتمع الإسرائيلي.

وأكّد موسى في مداخلته الأخيرة أنّ الشرطة متواطئة مع المجرمين، وأنّ هذا التّواطؤ يمكن أن يساهم في كثير من الأحيان في تخويف الجماهير وترهيبها حتّى من الاستمرار في الحراك ضد أجهزة الشّرطة، معتبرًا أنّ هذا التّواطؤ هو جزء لا يتجزّأ من السّياسات الإسرائيليّة في التّعامل مع المجتمع الفلسطيني في الدّاخل، وبينها سياسات الإفقار الّتي تساهم في استفحال وتوغّل عصابات الجريمة المنظّمة في المجتمع في البيئات الاجتماعيّة الاقتصاديّة المتردّية.