أصدرت جمعيّة الثّقافة العربيّة، اليوم الأربعاء، تقريرًا عن تحدّيات المحافظة على التّراث العربيّ الفلسطينيّ المبنيّ في مناطق 1948، ترصد فيه واقع المباني التّراثيّة في البلدات والمناطق المختلفة في البلاد، والسّياسات الّتي تنتهجها السّلطات الإسرائيليّة في التّعامل مع هذه المباني.

وكما يظهر التّقرير، فإن السلطات لم تقف إلى جانب المجتمع العربي في الحفاظ على هذا التراث ولم تُدرج مواقعه التراثية في أي من القوائم الرسميّة، والّتي تعد جانبًا مهمًّا من جوانب صوغ التراث، بل تجاهلت المواقع التي تهم الجمهور العربي في إسرائيل، وأهملتها ولم تقدّم لها الدعم المالي أو الإداري.

وتدير جمعيّة الثّقافة العربيّة مشروع التّراث المبنيّ بالشّراكة مع جمعيّة “عيمق شفيه” وبدعم من الاتحاد الأوروبي، ووفقًا لمنسّق المشروع في الجمعيّة، د. رامز عيد، فإنّ “مناقشة التراث العربي المبني ترتبط بالسيرورات التّاريخيّة، وبالإمكانيات الكامنة في السيطرة وبملكية المباني والمواقع التي هي اليوم مواقع للتراث العربي الفلسطيني. فقد أدت الأحداث التاريخية والسياسية إلى تحويل معظم الأراضي التي يملكها العرب الفلسطينيون إلى ملكية أو إدارة عامة، أي إلى ملكية أو إدارة الدولة”.

ويلخّص التّقرير بعض المحطّات السّياسيّة في تاريخ هذه المباني التّراثيّة العربيّة الفلسطينيّة، وهي:

أوّلًا، في عام 1948 تمّ نقل الأراضي التي كانت تحت سلطة حكومة الانتداب أو بمسؤولية المفوض السّامي، وليس ضمن الأملاك الخاصّة، إلى ملكيّة الدولة؛

ثانيًا، في عام 1950 تم سنّ قانون أملاك الغائبين، الذي أجاز نقل الممتلكات التي تخص أولئك الّذين تمّ تعريفهم كـ”غائبين” وفق القانون، وهم  كلّ من امتلك أملاكًا في الأراضي المحتلّة وغادر إلى أرض كانت تحت سيطرة “دولة معادية”، أي الدول العربية؛ وأيّ شخص غادر منزله خلال عام 1948 وانتقل إلى قرية قريبة أو اختبأ بالقرب من منزله (سواء غادر طواعية أو تم ترحيله) وأُعلِن عنه كغائب؛ ووفقًا لهذا القانون، انتقلت أراضي ومنازل وأملاك “الغائبين” إلى حارس أملاك الغائبين، وفيما بعد إلى سلطة التطوير، ومن هناك إلى “إدارة أراضي إسرائيل”؛

ثالثًا، تم الإعلان عن معظم أراضي الوقف الإسلامية كأملاك غائبين؛ وهكذا تم نقل الأراضي والمباني التّاريخية التي تديرها هيئة الأوقاف، بما في ذلك المقابر والمؤسسات العامة، إلى ملكية الدولة.

ويظهر التّقرير أنّ أحد العوامل الّتي تهدّد التّراث المبنيّ الفلسطينيّ هي انعدام التخطيط في البلدات العربية؛ فمنذ عام 1948، لم يتم إنشاء أي بلدة عربية جديدة في إسرائيل (باستثناء البلدات البدوية في النقب)، إذ أنّ البلدات العربية القائمة اليوم كانت قد أقيمت قبل ذلك ودون تخطيط مسبق. بالتّالي، ووفقًا للتّقرير، فإن ظاهرة البناء دون ترخيص المنتشرة بين السكان العرب في واقع الأمر هي نتيجة لضرورة الظروف وليس رغبة في خرق القانون.

فوفقًا للقانون، من أجل بناء منزل، يجب الاتصال بلجنة التخطيط والبناء المحلية والحصول على تصريح بناء منها، بحسب مخطّطٍ تفصيليّ للبلدة والأراضي الّتي يتاح فيها البناء، مع معلومات شاملة عن البناء المسموح به. مع ذلك، فإنّ بعض البلدات العربية لا تملك خارطة هيكليّة صالحة أو محدثة؛ أمّا في البلدات الّتي تملك هذه الخرائط الهيكلية، فإنّ من الصعب وضع مخططات تفصيلية (تصدر بموجبها تصاريح البناء)، ولا يوجد سوى عدد قليل من السلطات العربية التي لديها لجنة محلية للتخطيط والبناء. نتيجة لذلك، تكاد لا توجد سياسة بناء، ولا صيانة التراث المبني في البلدات العربية.

بيوت مهملة في وادي الصّليب في حيفا، تصوير: يحيى أبو ريّا.

وتحت عنوان “التراث الثقافي العربي في الجليل: حيفا، عكا والقرى”، جاء في التقرير:

في شهر آب/ أغسطس 1999 قررت الحكومة الإسرائيليّة المصادقة على اتفاقية اليونسكو لعام 1972 لحماية التراث الثّقافي والطبيعي في العالم. تتكون لجنة اليونسكو الإسرائيلية من ممثلين عن الوزارات الحكومية، والهيئات والسلطات العامة، والمؤسسات الأكاديمية، وهي المسؤولة عن تطبيق الاتفاقية. عمليًّا، تقوم اللجنة فعلًا بتطوير المواقع التراثية اليهودية والصليبيّة وغيرها وتحافظ عليها، لكنها لا تبدي أيّ اهتمام بالتراث العمراني العربيّ الفلسطينيّ.

على المستوى الوطني، يعدّ “مجلس الحفاظ على المواقع التراثية في إسرائيل” جمعيّةً رسميّةً مرخّصةً وحكوميّة، وهي شريكة للحكومة في صوغ قائمة مواقع التراث للمحافظة عليها، وتعمل على تعزيز صيانة هذه المواقع منذ عدة عقود؛ مع ذلك، فإن أنشطة المجلس تتم بشكل رئيسيٍّ في البلدات اليهودية، وتركّز على المواقع الصهيونية بشكل عام، إلى جانب عدد قليل جدًا من المواقع التراثية التي تطورها تتبع إلى أبناء الطائفة الدرزية العربية.

ويوضح التّقرير أنّ غياب التراث العربي عن أسبوع الحفاظ على المواقع التراثيّة، وهو الحدث السنوي الرئيسيّ للمجلس، والذي يركز عادة على المواقع الصهيونية، لهو مثالٌ واضحٌ، بين عدة أمثلة، على تجاهل السلطات الإسرائيلية المستمرّ للتراث العربي الفلسطيني المبني.

ويحاول مشروع المحافظة على التراث العربي الفلسطيني المبني، الّذي تديره جمعيّة الثّقافة العربيّة، تقديم فهم للطابع الخاصّ لمجال الحفاظ على التراث العربي الفلسطينيّ في مناطق 1948 وتحدّياته، عبر دراسة حالات للبلدات التي لديها مواقع جديرة بالحفظ؛ فيما يقدّم التّقرير محاولة لوصف سيناريوهات الماضي والإمكانات الكامنة في ما تبقى، وفقًا لمنسّق المشروع، د. عيد.

ويظهر التقرير أنه مع اتساع نطاق التدمير المتعمّد، ظهرت أنشطة محلية من قبل أفراد أو مؤسسات غير ربحية في محاولة لحماية التراث والحفاظ عليه. لذلك، وعلى الرغم النبرة المتشائمة إلى حد ما في هذا التقرير، نعتقد أن هناك الكثير مما يجب إنقاذه، وأن هناك طرقًا عديدة للعمل من أجل إكساب التراث العربي في البلاد إلى الأجيال القادمة.

ويتوصّل التّقرير في نهايته إلى تقديم توصيات تتعلّق بحماية التّراث المبنيّ الفلسطينيّ في مناطق 1948، في ظلّ غياب أيّ دعم حكوميّ للمبادرات الّتي تسعى للمحافظة على التّراث المبنيّ الفلسطينيّ، مقابل توجيه جميع ميزانيّات المحافظة والتطوير إلى مواقع التراث اليهوديّة أو الصّهيونيّة، كما أنّ السلطات المحلية، تتجنّب التعامل مع قضيّة حماية التراث المبني والمحافظة عليه، ولا يتم طرحه للنقاش في اجتماعات المجالس المحلية.

وفي ضوء هذه المعطيات، يوصي التّقرير بما يلي:

أوّلًا، مشاركة الجمهور، والإصغاء لمشاكل واحتياجات سكان الأحياء: فدون الشعور بالثقة بين السلطة المحلّية وأصحاب المنازل لا يمكن المضي قدمًا في الخطط طويلة الأجل؛

ثانيًا، إيجاد الحلول “خارج الصندوق”: على سبيل المثال، يمكن أن يعُرض على مالكي المنازل، بالتنسيق مع سلطات التخطيط (من خلال استخدام الأحكام الواردة في المخطط الرئيسي للمنطقة)، نقل حقوق البناء في المبنى إلى مكان آخر من أجل تشجيعهم على تجنب أي تدمير أو تغيير في المباني الّتي يمتلكونها؛

ثالثًا، خطط لتقوية المباني من الناحية الهندسية ورعايتها عبر اشتراك السلطة المحلية بتغطية بعض التكاليف لحماية هذه المباني من الهزّات الأرضيّة مثلًا؛

رابعًا، إنشاء لجان لحماية التراث المبني في السلطات المحلّيّة، لإتاحة إمكانية صوغ خطاب محلي جوهري حول مسألة الحفاظ على التراث للسّكّان أنفسهم.

لقراءة التّقرير كاملًا عبر تقرير تحدّيات الحفاظ على التراث المبني الفلسطيني.