يتعرّض التراث المبني الفلسطيني في مدينتيّ عكّا وحيفا، كسائر المدن والبلدات العربيّة الفلسطينيّة في البلاد، إلى عمليات هدم وتشويه وتهويد منذ النكبة عام 1948 حتى يومنا هذا من طرف السلطات الإسرائيليّة. وتتخذ هذه العمليّات أشكالًا عدّة في سياساتها؛ إن كان على شكل قوانين بحجة الحفاظ على التراث، أو الاستيلاء على أملاك اللاجئين الفلسطينيين المُهجّرين، أو من خلال التشويه المُمَنهج والتخريب أو الإهمال المقصود، بهدف تغيير معالم هذا التراث مما يخدم الرواية الإسرائيليّة عن البلاد.

ومن ضمن نشاط جمعيّة الثقافة العربيّة المتواصل في الحفاظ على الموروث الثقافي العربي الفلسطيني بكافة أشكاله، نظّمت الجمعيّة يوم الجمعة الماضي وفي ذكرى النكبة الثانية والسبعين، ندوة رقميّة تحت عنوان “التراث المبني الفلسطيني بين الهدم والصمود” لتسليط الضوء أكثر على هذه القضايا التي تتقاطع فيها قضايا التراث المبني مع الثقافة والهويّة والذاكرة الجماعيّة والمسكن والطرد.

شارك في الندوة كل من المؤرخ د. جوني منصور، والناشط سامي هواري، وقدّمها وأدارها الباحث د. رامز عيد، منسّق مشروع الحفاظ على المباني التراثيّة في الحيّز العام في جمعيّة الثقافة العربيّة، وهو مشروع جديد أطلقته الجمعيّة يحظى بدعم من الاتحاد الأوروبي، يهدف إلى توثيق ومتابعة قضايا تتعلق بالموروث الثقافي الفلسطيني المبني في البلاد، وذلك من أجل الحد من التمييز ضده.

تناولت الندوة مدينتي عكّا وحيفا وتطرقت لتعرّضهما إلى نكبة ثانية بطيئة من الاستيلاء والهدم والتصفية بحق المباني الفلسطينيّة بعد النكبة الأولى عام 1948.

وأشار رامز عيد في مفتتح الندوة، إلى أن مراجعة مميزات المباني المخصّصة للحماية في إسرائيل، تُشير إلى أن معايير الحفاظ عليها نابعة من محاولات الحكومات الإسرائيليّة لبناء الهويّة الثقافيّة والتاريخيّة للشعب اليهودي فقط، وتمثل رواية واحدة عن الاستيطان والإحياء في “أرض إسرائيل”. كما أن المشهد العام الناتج عن ذلك يزرع هويتها اليهوديّة مع تجاهل تراث الشعب العربي الفلسطيني.

 

عكا

في حديثه عن مدينة عكّا القديمة تطرّق سامي هواري إلى الخطط التهجيريّة والتهويديّة الموجودة منذ عشرات السنوات، حيث يواجه العرب أزمة سكن خانقة في بيوت آيلة للسقوط وقسم منها انهار أسطحه. فبعد النكبة، صادرت السلطات الإسرائيليّة منازل اللاجئين وأصبحت تحت سلطة أملاك الغائبين ومن ثم حوّلوها لسلطة التطوير ودائرة أراضي إسرائيل، التي تعمل على بيعها والقضاء على حلم عودة اللاجئين لمنازلهم. ومعظم السكان العرب في عكّا جاؤوها لاجئين من بلدات مجاورة وقطنوا هذه المنازل ضمن الإيجار وهم الذين حافظوا على هذه المنازل وترميمها وإضافة بعض الغرف عليها.

وأشار هوّاري إلى أن قوانين الترميم تفرض تكلفة مادية عالية، ومن المفترض أن يكون هدف القوانين حماية البيوت والتراث المبني إلا أنها تؤدي إلى الابتعاد عن المحافظة عن البيوت وتُستغل لتفريغ أهل عكا. ومن ضمن شروطهم مثلًا للترميم هدم منازل مجاورة لأن البيوت متلاصقة، والشروط التي تفرضهما شركة “عميدار” ودائرة أراضي إسرائيل تجعل من حياة المستأجرين العرب صعبة وتعزز من خروج العرب من المدينة. وتُدير “عميدار” أكثر من 600 منزل في عكّا وقرابة 250 منزلًا مهما مغلقا على مدار السنوات، وللمفارقة أن هذه المنازل الآن معروضة للبيع في مزادات علنيّة بهدف تهويد عكّا، وبهذه الطريقة دخلت الشركات العقاريّة والاستثماريّة للمدينة مما أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار، بحيث لا يستطيع أي إنسان عادي أو حتى عائلة من الطبقة المتوسطة شراء بيت في عكّا.

برج الساعة

واستذكر هواري برج الساعة في خان العمدان وهو جزء من الأوقاف الإسلامية المصادرة منذ عام 1948، لاحقًا تم تأجيره في السبعينيات لمدة 99 عامًا. السلطات الإسرائيلية منذ 40 عامًا، لم تقم بأي ترميم في خان العمدان وهو آيل للسقوط. هناك أكثر من 10 أوامر إزالة خطر في 10 مواقع تُسبب الخطر لكل من يدخل خان العمدان، ومع ذلك لم تُرمم ولم تُزل الخطر، كما منعوا الناس من الدخول إليه.

وأكّد هواري أن ما تعاني منه مدينة عكا هو طرد حضري gentrification  والذي يعني تبديل السكان الضعفاء اقتصاديًا واجتماعيًا وهم العرب وإحضار سكان أقوياء اقتصاديًا واجتماعيًا وهم اليهود. وبدأ ذلك بشكل ممنهج عام 2007 عندما تم إقرار خارطة هيكلية خاصة بمدينة عكا القديمة ومن دون مشاركة الجمهور أو مشاورتهم. ومن ضمن الخطّة تم تغيير في الأحياء والأهداف من الأحياء. فمثلا حي للإسكان أصبح حيًا للترفيه، وهذا يعني أن مبنى معينًا ممكن له أن يتحول إلى بار أو ملهى ليلي دون مراعاة لظروف السكان واحتياجاتهم، وبدأ ينعكس ذلك على جودة حياة المواطنين العرب.

وأضاف هواري في حديثه عن تأسيس لجنة الترميم المهنية التي لا يوجد فيها أي ممثل عربي. وتقع عشرات البيوت العربية ضمن الخارطة هذه كمنازل مهددة بالهدم في كل لحظة، وهم ينتظرون اللحظة التي يدركون أنه لن يكون اعتراض على الهدم كي ينفّذوه. على سبيل المثال تم اخطار أحد أصحاب المطاعم العربيّة بهدم مطعمه بينما المطعم الملاصق له وصاحبه يهودي لم يُخطر بالهدم.

وتتعرض المواقع الأثرية والعامة إلى خصخصة مستمرة، فبحسب الاتفاقية التي تم فرضها على الشاري للمباني المعروضة للبيع، يتوجب على الشاري إخلاء عشرات العائلات العربية. ومن هذه المباني خان الشونة وهو أثر عالمي وتاريخي ممنوع التفريط فيه. مبنى آخر هو مبنى إثراء الطفل والعائلة تمت إدارته من قبل شركة تطوير عكا القديمة، حُرق وتم بيعه بـ 18 ألف دولار. اليوم يسوى ملايين الدولارات. سجلوا خان العمدان في الطابو كملك للطائفة الإسلامية والمحكمة أجبرتهم على دفع تعويض لشركة تطوير عكا. 36 عائلة يجب إخلاؤها بهدف الترميم.

تجميل التهويد

وطرح هواري كيفية تسويق عمليات التهويد الجارية من خلال الإعلام العبري المحلي، إذ يتم تسويقها على أساس بناء حي للفنانين. فعندما يهدمون يقولون تطوير وعندما يُهجرون يقولون حي فنانين، وغير ذلك من توجه عسكري تخويفي. ومن العمليات الجارية أيضًا تغيير أسماء الشوارع والحارات والساحات والأماكن العامة بأسماء لا تخص تاريخ المدينة. فمثلًا حاولوا بالماضي تسويق عكا القديمة على كونها شبه جزيرة وهي مفاهيم نفسية تحاول فض الصلة بين امتداد عكا والبلدات الفلسطينيّة المجاورة في الجليل، إلا أن هذا المشروع فشل.

وفي محاولة للتصدي لهذه السياسات، استذكر هواري مبادرة الفنان وليد قشاش الذي طبع الأسماء العربيّة الأصليّة وثبّتها بالحارات إلا أن البلديّة أزالتها ورفعت عليه قضيّة. كما تطرق لعدم وجود نواد ومراكز جماهيريّة عربيّة في البلدة القديمة مما يدفع الأهالي للذهاب إلى خارج الأسوار لتشجيعهم على ترك المدينة.

وختم هواري حديثه عن الحمام الصغير أو الشعبي الذي استلمته “عميدار” في السبعينيات حيث كان بوضع فعّال، والآن أصبح مهدومًا وسُرقت منه الأرضيّة الرخاميّة والبلاد الذي كان يُزيّن الحمام والزجاج الملون تم تكسيره، وهو مثال حي على تضييع وتشويه “عميدار” للموروث العربي في عكّا.

حيفا

بدوره أكد جوني منصور على التقاطعات الكثيرة في حالتي عكا وحيفا، سواء كان بالحديث عن التراث المبني أو الموروث الثقافي الذي تأسس من داخل وبين هذا المباني، والقصد كافة أشكال الثقافة من مسرح وفرق رياضيّة وأنديّة كشفيّة ومؤسسات تعليميّة. وهذا يقودنا إلى حيفا في ظل كل التحولات التاريخية وخصوصًا المفترق التاريخي الصعب وهي النكبة عام 1948، الحدث المأساوي الكارثي الذي حل على كل بقعة من بقاع فلسطين ولا يزال يتفاعل في قطاعات كثيرة، أبرزها قطاعات البناء وهي من نتاج تلك النكبة.

المدينة القائمة اليوم هي على أساسات المدينة التي بناها الشيخ ظاهر عمر الزيداني، لتكون مدينة إلى جانب مدينة عكا، مع الزمن استطاعت أن تتفوق على عكا الاقتصاديّة والإدارية ومن ثم تحولها إلى مدينة جذب هجرة داخليّة. كان أوائل المهاجرين من مدينة عكا خصوصًا من عائلات ميسورة في الفترة العثمانيّة. بدأت عكّا تفقد من دورها الوظيفي لصالح حيفا. انتقل القناصل الأجانب لمدينة حيفا، وبالتالي بدأ عهد ازدهار وتطور في إطار مدينة أسوار. وعاش الناس داخل الأسوار.

شهدت حيفا في الفترة العثمانيّة حركة عمرانيّة كبيرة جدًا، وتم بناء عدد من المشاريع التي رفعت من اقتصاد البلد ورفعت من الحالة الاجتماعية للمدينة. ومن هذه المشاريع كان سكك حديد الخط الحجازي الذي يربط بين دمشق والمدينة المنورة بالحجاز. رأى العثمانيون بتوصية من الألمان الذي ساهموا بتخطيط الخط وهندسة المحطات على مختلف مواقعه أن هذا الخط لن يكون له فوائد من دون ربطه مع الساحل. ربطوا الخط من مدينة درعا السورية مع حيفا. هذا رفع من شأن المدينة إداريًا واقتصاديًا.

 تحدث منصور عن طبيعة العمارة في حيفا التي تتميز في كونها عمارة البحر المتوسط، إذ تأثرت بمركبات العمارة العربيّة لبيوت مبنية بطريقة تقليديّة لكن أُضيفت عليها أشكال تجميليّة مثل القرميد. بالإضافة للمؤثرات الأوروبية التي دخلت المدينة على يد الجماعة الهيكلية الالمانية.

فسيفساء شاميّة

وأضاف منصور أن المدينة استقطبت الكثير من موجات الهجرة من بلاد الشام على مختلف توجهاتها، مثل صور وصيدا وبيروت ودمشق وحلب وإدلب وسراقب وغيرها. كل هؤلاء الذين هاجروا للعمل قاموا بالبناء وكان دمج بين المكونات الموجودة في المدن مع عمليات تحديث. ويمكن القول إن للمدينة شخصيتين؛ الأولى الشخصيّة العربية الشاميّة الفلسطينيّة وشخصية غربيّة كونها مدينة ميناء وخط سكك حديدية. المدينة تطورت خلال فترة الانتداب بقوة العمال العرب الذين جاؤوا من كل فلسطين ولبنان والأردن والعراق والجزيرة العربيّة ومصر وشمال أفريقيا، وهذا كله شكل فسيفساء متعددة الوجوه. والعائلات التي أصبحت مقتدرة هي من قامت ببناء المنازل.

وأشار منصور إلى أنه قبل عام 48، كان المجتمع الفلسطيني يعيش لوحده منفصلًا عن اليهودي الذي جاء بقوة الاستيطان الصهيوني خلال الفترة الانتدابيّة، واستوطن في جبل الكرمل مما أعطاه تفوقا استراتيجيا خلال الهجوم على المدينة عام 48 واحتلالها خلال ساعات. بعد سقوط المدينة وُضعت خطة من قبل بلدية حيفا أشرف عليها “أبا حوشي” الذي أصبح رئيس البلدية كان اسمها خطة “شكمونا”. تقضي الخطة بهدم المدينة القديمة بين الأسوار في حيفا، وهي المدينة القديمة في حيفا التي تشبه عكا، وهي عبارة عن قصبات ومحلات تجارية على الطرفين. الهدف من ذلك بحسب البلدية هو فتح طريق مواصلات بين شمال شرق وجنوب والغرب، وبذلك تم تصفية 98% من المدينة القديمة.

وقال منصور إننا فقدنا مدينة حيفا القديمة الذي أسسها الظاهر عمر، بعد إبادة الموروث العمراني العربي الفلسطيني الذي تشكلت منه المدينة. ثم بدأت تزداد موجات الهجرة اليهوديّة الذين تم توطينهم في البيوت العربية المتبقية. وتولت ذلك مؤسسة ما يُسمى “حارس أملاك الغائبين” وهي ناهب وسارق أملاك اللاجئين الفلسطينيين المطرودين. واستولت هذه المؤسسة على عشرات آلاف المنازل ومئات آلاف الدونمات، وتم توكيل شركات صغيرة مثل “عميدار” في عكا في إدارتها وبيعها بشرط الثلثين مقابل ثلث.

وادي الصليب

وأكد منصور أن ما يجري اليوم في حيفا هو طرد حضري ومثال على ذلك ما يجري في حي وادي الصليب، الذي هجروا منه أصحابه وأسكنوا مكانهم يهود من شمال أفريقيا، لكن تم إخلاؤهم من الحي بعد تمردهم عام 1959 بقرار من بن غوريون، وبقي فارغًا ولم يتح للعرب السكن هناك بحجة أن الحي آيل للهدم وغير متين. أما في السنوات الأخيرة، فقد تم بيع كل قسائم وادي الصليب، وجزء منه هدموه وبنوا مكانه شقق استوديو، وهذا يعكس طبيعة القادمين المستقبليين عليه، هم أناس يبحثون عن سكن مؤقت سنة أو سنتين، الأمر الذي لا يُشكّل نسيجا اجتماعيا. ثم تأتي من بعدها خطوة تغيير اسم الحي من وادي الصليب إلى حي الفنانين. وتساءل منصور “عن أي فنانين يتحدثون؟ هؤلاء مستوطنون سيسكنون على أنقاض أصحاب البلاد، وهي نفس الحجة التي سوقوها في يافا وعكا وعين حوض”.

أمّا ما تبقى من التراث المبني في المدينة بحسب منصور فهو أقل من 20% مما كان، جزء قليل منه مبانٍ عثمانيّة مثل الجامع الصغير وجامع الجريني، سكة حديد الحجاز. ومبانٍ أخرى تنتظر الترميم مثل حمام الباشا وقصر مصطفى باشا خليل في وادي الصليب. أما المباني المتبقية خلال الفترة الانتدابيّة، فيتم ترميم عدد قليل منها، وهي ملك خاص لعائلات عربية تم تهجيرها وتحولت هذه المباني تحت سلطة “عميدار” التي باعتها بدورها لمستثمرين معظمهم يهود من تل أبيب، وهم “حيتان المال” الذين يأتون بأجندة بهدف الترميم لكن الكارثة هو ما يُضاف على المبنى.

وتطرق منصور لقضية السماح للمواطنين العرب ببعض الأحياء العربيّة بإضافة غرف لمنازلهم مثل حي وادي النسناس، واعتبر أن ذلك يهدف إلى تكديس العرب في حي واحد والحد من انتشارهم في المدينة حتى لو عاشوا على شكل عشوائيّات.  وعدم توسيع الأحياء العربيّة يؤدي إلى مشاكل عديدة. كما أن من يخرج ويسكن في أحياء أخرى يواجه مشكلة عدم وجود مدارس عربيّة في تلك الأحياء.

وأوضح منصور أن ما نشهده اليوم هو تصفية أملاك اللاجئين بالكامل في حيفا من خلال بيعها لمستثمرين، وأحال الأمر في ذلك إلى أوسلو حيث تخلت القيادة الفلسطينيّة من خلال تحديد مطالبها عن قيام دولة في أراضي الـ67 دون التطرق لأملاك اللاجئين عن حقهم في العودة. وسوف تشهد مدينة حيفا خلال فترة زمنيّة قصيرة إنهاءً للأملاك العربيّة وتصفيتها.